لبنى أبوخير

احد مقابلات حزمة: قصص عن الانتماء,
Original Interview Length:
سجلت هذه المقابلة في: زيروخ, سويسرا
فريق الانتاج:
المواد المتوفرة لهذه المقابلة:

أنا لبنى أبو خير من سوريا، خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية قسم الدراسات المسرحية، أعمل كاتبة وممثلة مسرحية، مقيمة حالياً في مدينة زيورخ بسويسرا منذ أربع سنوات تقريباً، خلال هذه الفترة تغير بي الكثير من الأشياء، ربما تغيرت كلياً لا أعرف، لا يمكنني أن أعرف إذا تغيرت كلياً أم لا حتى أعود إلى سوريا، وأجري مقارنة من البداية مجدداً بين حياتي في سويسرا وحياتي في سوريا، وكيف سيكون شكلها.

كنت قبل دخولي إلى معهد الفنون المسرحية أعشق كل ما يحدث على خشبة المسرح، هذا يعني أنه كان لدي رغبة بالغناء والرقص، كنت أكتب، وأمثل. كان ثمة هوس وشغف لهذا المكان الذي هو عبارة عن متر بمترين اسمه خشبة "ستيج". بعد ذلك عندما كنت في عامي الأول بالمعهد، تحولت إلى شخص يقرأ ويكتب، وبعد ذلك أصبحت شخصاً يقرأ، وفي السنة الرابعة عندما تخرجت أصبحت شخصاً يطلق أحكام قيمة على أفعال الآخرين، ولم يكن ذلك ما أريد!

فذهبت للبحث عن شيء يشبهني، يرجعني إلى الإنسانة التي تملك الكثير من المواهب، ولديها الكثير من الأشياء التي تود أن تقولها على الخشبة، فيحالفني الحظ وحصلت على منحة من سويسرا لتطوير وكتابة النص، وفعلاً سافرت لهناك مدة شهر وبضعة أيام، ثم عدت إلى دمشق. لم يكن لدي نية العودة إلى سويسرا أو الاستقرار فيها، لأنه كان لدي مسألة ولاء مطلق لشيء يسمّى سوريا. بعد ذلك ولأسباب سياسية اضطررت لمغادرة البلد في أسرع وقت ممكن، فجئت إلى سويسرا وبقيت.

الآن، لماذا أتحدث عن الولاء؟ نحن قادمون من بلد من الصعب أن تشرح عنه للعالم كم هو بلد ليس فيه هوية محددة، لا تستطيع أن تقول سوريا بلد مسلم، أو بلد مسيحي، أو بلد متطرف، أو أنها بلد صغير يحتوي كل شيء، ولكن بالتأكيد يتطلب الكثير من الولاءات، نحن كأشخاص مطلوب أن يكون لدينا ولاء لرئيس الدولة، وحتى لزوجة رئيس الدولة، وولاء لوالد رئيس الدولة الميت منذ سنوات، وولاء لجيشه. مطلوب أن يكون لدينا ولاء لجيراننا، وإذا كنت متزوجة فولائي يجب أن يكون لزوجي وأولادي وأهل زوجي! وبشكل أو بآخر يجب يكون عندي ولاءات متنوعة وكثيرة: منها ولائي لطائفتي، وولائي لديانتي، وولائي لقوميتي التي أنحدر منها. للأسف الشديد نحن بلد الولاءات المُطْلَقَة، نعم هذه هي سوريا، بلد الولاءات لكل شيء باستثناء إنسانيتنا وخصوصيتنا كبشر.

المهم جئت إلى سويسرا، وعشت مع عائلة مكونة من خمسة أشخاص، ثلاثة أولاد وأب وأم، عشت معهم لمدة عام، وبعد ذلك قررت أن أنتقل إلى مدينة زيورخ، ووجدت غرفة مع امرأة في حوالي الثمانين من العمر، كانت قمة في النشاط والحيوية والثقافة، عشنا معاً لمدة سنة وثلاثة أشهر. مع بداية التعارف بيننا، كانت تريد معرفة تاريخنا وقصصنا، وكنا نريد أن نعرف تفاصيل أكثر عن بعضنا. كنا نمشي معاً في الغابة، وقبل ذلك كنا نتناول فطورنا الذي كان عبارة عن تفاحة وموزة مع مكسرات ولبن محلى، وبعدها يجب أن تشرب القهوة، وترتب أغراضها قبل الخروج من المنزل، طبعاً هذا برنامجها اليومي الذي تعلمته بدوري منها.

كنت طيلة الوقت أعرّف عن نفسي أنني من سوريا، ونحن لدينا كذا.. ونفعل كذا… لكن حدث أنه في أحد المرات، بينما كنا نمشي سألتني: أنت من أين؟ من أي مكان في سوريا؟ وكيف جئت إلى سويسرا؟ فأجبتها ثم سألتها عن نفسها فأجابتني: أنا من الذين نجوا من الهولوكوست، جئت صغيرة مع أهلي كلاجئة إلى القسم الفرنسي في سويسرا. هنا صمتنا للحظات، وبقينا نمشي في الغابة. بعد ذلك سألتها عن أهلها؟ فقالت: أن والدتها هولندية وأبوها كان من مدينة كييف الروسية، بالتالي فهي ليست سويسرية لكنها مقيمة في سويسرا.

أخبرتني كيف هربوا، وتحدثت عن التفاصيل، كيف نجوا باللحظة الأخيرة قبل أن يلقي النازيين القبض عليهم ويتعرضوا للوحشية التي تعرض لها اليهود الآخرين في ألمانيا آنذاك. وقالت لي جملة مهمة جداً: أغلب الحروب في العالم تكون بسبب ولاءات لأشخاص أو لأناس أو لأشياء وهمية.

فقلت: نحن صرعي قصص الولاء، بدون أن يكون لدينا ولاء لإنسانيتنا، والسبب أننا كلانا أنا وهي نعيش في بلد لا ننتسب له، لكننا أصبحنا جزءاً من مجتمعه، ويجب أن نكون فعالين وبنّائين فيه، بعيداً عن أصولنا.

ومنذ تلك اللحظة قررت أن أكون شخص له ولاء لإنسانيته فقط، وشخص يبحث عن مكان للعيش، مكان يشبهه. وأنا أجد أن سويسرا مكان يشبهني، بلد مسالم وهادئ. وأعرف أننا عندما نتوقف عن كوننا أناس لديهم ولاءات لأشياء وهمية سنصبح أفضل، ونعيش حياة أفضل، ونصبح مستحقين لصفة الإنسانية التي نحملها بالفطرة. والنتيجة النهائية لما أريد قوله هي: أنه من الغلط أن يكون لدينا ولاء لأشياء ليس لدينا يد بوجودها أو صناعتها. يجب ألا أفتخر أني سورية أو عربية، هذا الشيء ليس بيدي، لم أقرره، كان من الممكن أن أولد في الصومال مثلاً أو ألمانيا، كان من الممكن أن أولد في أي مكان آخر، لكن في النهاية كل شخص يجب أن يبحث عن المكان الذي يرتاح به، لأنني إذا كنت أستطيع تطوير نفسي من الداخل، فإنه من المؤكد أنني أستطيع تطوير مجتمعي.