أحمد بقدلية

احد مقابلات حزمة: قصص عن الانتماء,
Original Interview Length:
سجلت هذه المقابلة في: ألمانيا
فريق الانتاج:
المواد المتوفرة لهذه المقابلة:

اسمي أحمد بقدلية، سوري الجنسية، تولد قبرص عام 1999. لما كنت طالباً في الصف الثاني الثانوي في سوريا، حدثت الحرب واضطررت أن أترك البلد بسبها، واللجوء إلى بلد أوروبي كي أحصل على حياة آمنة مستقرة، الحياة التي لم أستطع الحصول عليها في سوريا.

تركت سوريا في منتصف العام 2015 تقريباً، واستطعت الوصول إلى ألمانيا بعد حوالي شهر ونصف، واجهتني بعض المشاكل والصعوبات مثلما واجهت أغلب السوريين. أنا حالياً مقيم في ألمانيا واستطعت الحصول على البكالوريا الألمانية التي مدتها ثلاثة سنوات.

أحب أن أحكي لكم عن القصة التي عشتها هنا والتي أثرت على تفكيري وعلى مجرى حياتي كله. إن أغلب العرب عندما يهاجرون يتجهون إلى الجالية العربية، أو يحاولون البحث عن أصدقاء عرب بسبب أن لهم ذات العادات والتقاليد، أمّا بالنسبة لي فكان توجهي مختلف، فمنذ أن كنت في "الكامب" جرت معي قصة صغيرة، وهي أن صبية صغيرة ألمانية، رأيتها وأعجبت بها، وبما أن توجهي كان أن أدخل المجتمع الألماني مباشرة، وأتواصل مع ألمان، وكي أحاول أن أوازن بين الانتماء لجاليتي العربية والانتماء للبلد الذي أريد هاجرت إليه. فحاولت جاهداً أن أتعلم بعض مفردات اللغة الألمانية عن طريق الموبايل، وبعض العبارات من هنا وهناك، كي أستطيع أن أتحدث مع تلك الفتاة، وحتى أفهم عليها وتفهم بدورها عليّ، وكنت أستطيع التكلم باللغة الإنكليزية قليلاً، كنت أتدبّر أموري بين الإنكليزية والألمانية.

خرجت معها وتحدثنا وتعارفنا، وأنا أحببت أن أعرف ما هو الشيء الذي دفعها كألمانية لتأتي من أجل مساعدة لاجئين غرباء عن بلدها. بعد ذلك حصل لي حادث حيث جرحت وتأذيت قليلاً، فقامت بإسعافي امرأة كبيرة بالعمر، كانت ممرضة تعمل في "الصليب الأحمر"، فعالجت يدي وقدمت لي الكثير من المساعدة، وبقيت تسأل عن حالتي وصحتي. كانت تأتي كل يوم صباحاً تغير لي الضماد، فأحببت هذا الشيء منها، وشعرت أنها حقيقة مثل الأم، وقلت لها فعلاً: أريد أن أسميك ماما. وبعد ذلك أصبح كل "الكامب" ينادي لها ماما، وهذا الشيء دفعني للإعجاب بها، ولم أكن أعرف أساساً أن هذه الممرضة هي والدة الفتاة التي كنت قد أعجبت بها.

وبعد فترة خرجت من "الكامب" وكنت قد حصلت على أرقام هواتف الأم وابنتها، وبقينا على تواصل مع بعضنا. ثم تحسنت العلاقة أكثر، لأنه مع بداية خروجي من الكامب تم بيننا زيارات متبادلة، وتعرفت على الفتاة أكثر وأكثر، وبدأت أتعرف على عاداتهم وتقاليدهم. إنهم عائلة ملتزمة بالدين الخاص بهم، ونحن كنا نفكر أن لديهم عادات وتقاليد لا تتناسب معنا، وأنا كنت أريد أن أعرف ذلك الشيء، أن أعرف ما هي عاداتهم وما هي تقاليدهم؟ وذلك ما دفعني لحب اللغة الألمانية وصرت أريد إتقانها.

إن هذه المرأة التي أصبحت حماتي في المستقبل، بعد أن عرفت أنني صديق ابنتها، وابنتها كانت صغيرة بالسن كثيراً فلم تكن ناضجة وعمرها 17 عاماً، وشاءت الأقدار أن نجتمع معاً ولأجل الصدفة كانت متوافقة معي بالتفكير، فأنا رجل ملتزم دينياً وشرقي نوعاً ما، لكني أستطيع أن أوازن بين شرقيتي وبين تقاليد البلد التي أعيش فيها. ومما جعل العلاقة سهلة بيني وبين هذه الفتاة أنها كانت صغيرة وأنا كنت أول شخص في حياتها، وهي كذلك كانت أول شخص في حياتي، وأحببنا بعضنا من النظرة الأولى. وبعد فترة قررنا الزواج، أريد أن أتزوجها لأنها من عائلة مناسبة لي، كما أنهم وقفوا إلى جانبي كثيراً وساعدوني، حتى شعرت أنها عائلتي.

قالت لي زوجتي بعد شهرين تقريباً: منذ بداية العام المقبل - وكان هناك حوالي شهرين لنهاية العام- لن أتحدث معك سوى باللغة الألمانية، سواء فهمت أم لم تفهم، هذه مشكلتك! ولكن هذا ما يجعلك تتعلم ألماني.

فقلت لها: أنا موافق، وسوف أثبت لك أنني وسوف أتعلمها في أسرع وقت. وبالفعل بعد خمسة أو ستة أشهر، ودون حتى أن أدخل إلى كورسات اللغة، أصبح مستواي باللغة عالي جداً، وحاولت أن أذهب إلى كورسات لغة لكنهم قالوا لي: أن مستواي عال ولا داعي للدخول إلى مثل هكذا كورسات، وبإمكانك أن تدخل إلى الدراسة التي تريدها في الجامعة أو المدرسة، حسب ما كان مستواك في سوريا لتكمله.

حماتي شجعتني أكثر أن أسجل في المدرسة، وأتعلم من رفاق المدرسة، وأن أقيم صداقات مع أناس آخرين غير الذين أعرفهم، من مستويات تعليمية مختلفة كعلاقة مع مدرس أو طلاب، كانت تريدني أن أدخل إلى المجتمع الألماني وأعرف كيف يعيشون بشكل عام. وبالفعل بعد ذلك بأشهر قليلة، دخلت إلى المدرسة لأتقدم إلى دراسة البكالوريا، والتي مدتها ثلاث سنوات واستطعت الحصول عليها.

حالياً أنا متزوج من فتاتي التي اعتنقت الإسلام، وتعلمت مع أمها الكثير من عاداتنا وتقاليدنا، مثلاً أصبحوا يتناولون الفطور كل يوم مع الخبز العربي، وأنا توجت هذه العلاقة بمحبتي لأن هذه المرأة بالنسبة لي هي أمي الثانية، فهي تقف معي دائماً، وعندما أكون محتاجاً لأي شيء تكون معي وتشعرني أنها أمي الثانية.

وكانت تقول لي: أنت لست صهري… أنت ابني، ومهما حدث ستبقى أنت ابني.

وهكذا نحن نعيش معاً ونحن بسرور وأصبح مستواي باللغة جيد جداً، أنهيت البكالوريا وقريباً سوف أدخل إلى الجامعة مثل أي ألماني.

هذه كانت قصتي وأتمنى أن تعجبكم.