أمجد جوب

الكلمات المفتاحية التطوع, الهجرة, سوريا, لبنان
احد مقابلات حزمة: قصص عن الانتماء,
Original Interview Length:
سجلت هذه المقابلة في: برلين, ألمانيا
فريق الانتاج:
المواد المتوفرة لهذه المقابلة:

اسمي أمجد، عمري 32 سنة، سوري من دمشق، أعيش في ألمانيا منذ أربع سنوات. كنت في سورية أدرس الحقوق، وعندما وصلت إلى مدينة ميونيخ، لم أكن أعرف أين أنا؟ أنني في مكان آخر بعيد كثيراً عن المكان الذي جئت منه، وقلت لنفسي: حسناً لنرى كيف سيكون التعامل. كان لدي كثير من المفاهيم التي لاحقاً علمت أنها غير حقيقية، فقد جئت أحمل الخوف والانهيار والصدمة مما حدث في سوريا، كنت أنوي أن أبدأ حياتي هنا وأكرسها للعمل من أجل الثورة السورية. ثم بدأت الاحتكاك بالناس أثناء فترة الإقامة في مخيمات الواصلين الجدد، كانت فترة صعبة علي لأني كنت بحالة صدمة تغيير المكان، ولم أكن أعرف كيف أتواصل مع الناس، وكانت نظرات الآخرين هناك مزعجة، فتجعلك تشعر وكأنك متهم بشيء ما، وأنت مقيد ولا تستطيع أن تثبت شيء، ذلك كان صعباً للغاية.

بعد ذلك أتذكر أني خرجت للمرة الأولى من الكامب عندما استعرت دراجة هوائية من شاب سوري، مشيت بالدراجة ثم توقفت لأني صادفت شخصاً ألمانياً كان يريد أن يمر، وكان الطريق مخصص للدراجات، وحين مر ابتسمت له، ولكنه نظر إليّ بنظرة ازدراء ثم مضى وكأن ما فعلته كان واجباً عليّ. بدأت أعيش تلك النظرات، صرت أشعر بالاختناق، وأريد أن أغادر الكامب والسرير الذي أنام فيه هناك، لم أعد أريد الناس كي لا أرى مثل تلك النظرات، كان الأمر صعباً جداً. ثم فقررت المغادرة وبعد ثمانية أشهر استطعت أن أنتقل إلى برلين.

عندما انتقلت إلى برلين شعرت بالراحة، وذهبت للنوم في حديقة عامة، تمددت على الأرض ونمت، كان شعوراً جميلاً أن تنام في الحديقة دون أن ينظر إليك أحد، كان هناك الكثير من الأشخاص يتمددون هناك وينامون من كل الأعراق ومن كل الألوان، شعرت أن أحداً لا يدقق على أحد، وأنهم يعيشون في حالة سلام، وهذا الأمر ترك فرقاً كبيراً عندي، لقد جعلني أشعر أنني موجود في المكان الصحيح، وهذا المكان هو مكاني ومن هنا سوف أبدأ.

بعدها بدأت أرتب أوراقي وتفاصيل انتقالي، ودخلت مدرسة لتعليم اللغة ثم انتهيت وانتقلت إلى منزل جديد، ثم تطوعت بمشروع التعلم الذاتي للأطفال الناطقين باللغة العربية، بعد ذلك ذهبت للعمل في مركز دراسات وأبحاث قانونية مما يتعلق بهذا المجال.

كانت تجربة جميلة جداً في برلين، حيث شعرت أن كل شيء قد اختلف، شعرت أنني هنا سأكون أنا، شعرت بالراحة أثناء مقابلة الناس هنا، نظرات الناس لي وللآخرين كانت ودودة، لقد اختلف كل شيء. ولكني لا زلت أذكر في ميونخ أن هناك نظرة يصوبها الناس نحوك وكأنك لست بشخص كفؤ لهم، تتحدث إليهم ولا يسمعون لك، تلقي عليهم السلام لا يجيبون. لكن هنا حدث العكس تماماً، مثلاً وأنت تمشي تشاهد كلباً يركض، ينظر إليك صاحب الكلب ويبتسم، لو اقترب كلبه منك يعتذر بطريقة مهذبة دون أن يتكلم، يكفي أن يصلك هذا الشعور منه لأنه اقترب ولو قليلاً على حريتك.

حسناً، أنتم تطالبونا بالشيء الذي يسمّى "الاندماج"! لكن الاندماج يجب أن يكون بمبادرة من طرفين، الاندماج يجب أن يكون تقبلك للعادات والتقاليد التي جئت أنا منها وما هو المناسب لك أن تأخذه، والعكس تماماً صحيح، أنا أخذ الشيء الذي يناسبني والشيء الذي يجعلني قوياً، أنا بالنهاية لست عدواً لأي أحد هنا، لقد جئت لأكمل حياتي بعيداً عن الصراع الذي حدث في بلدي، وربما هي حالة مؤقتة وتعود الأمر إلى ما كانت عليه وأعود بالتالي، لكن لا أدري متى؟ ما أعرفه أنه يجب أن أبدأ، وإذا كانوا هم مصرين لأن يدعمونا كي نبدأ، يجب أن يزيلوا القيود عنا كي نبدأ، ولا يجب أن يلاحقونا باستمرار، مثلاً: هذا الأمر لا يجوز فعله هكذا، تعال وانظر كيف نفعله نحن!

حسناً، أنا متفهم للشيء الذي تقومون به والشيء الذي تعيشونه أنتم بظل ثقافتكم وتقاليدكم، ولكني آخذ الشيء المناسب لي، المناسب لشخصيتي، ما يناسب أسلوبي بالحياة، من الممكن أن أتطور وأطور أدواتي كي أصل إلى مكان أفضل، ومن الممكن ألا أتمكن، ثمة أشياء يمكن أن أفعلها أنا كما أرتاح، أنا أرتاح بالسلام عليك عبر اليد أو بالعناق، أنا أفعل ما يجعلني مرتاحاً، أفعل ذلك دون أن يفرضه أحد عليّ.

هنا في برلين تفعل ما تريد، افعل ما تشاء، أنت حر، عبّر وأينما تريد أن تكون كن.

لست أدري كم هو أمر صحيح أن يكون الاندماج من طرف واحد، الاندماج يجب أن يكون من الطرفين. فالتشويش الذي تضعنا فيه هذه المصطلحات يجعلنا نبتعد. نحن نريد أن يكون بيننا وبين الأشخاص في المجتمع الألماني ثقة، ونحن نبني هذه الثقة، وهي تأتي من خلال مواقف، مثلاً: عندما أتعرض لموقف وأصاب بالخذلان مرة واثنتين وثلاثة، لن يعود هناك ثقة.

في برلين شعرت أنني متحرر من كل ذلك، قررت أن أذهب إلى مشروع، وبالفعل ذهبت وبقيت لمدة عام ونصف وإلى الآن أنا موجود فيه. هذه الطاقة الموجودة في داخلنا يجب أن نخرجها بالشيء الذي نحبه بعيداً عن أي تقييد مجتمعي لنا، وبدون أن نتقيد بأي شيء.

أنا أمجد وهذه قصتي من برلين.