أنا أنس زرزر، عمري 43 سنة، جنسيتي فلسطيني سوري، وحالياً نرويجي، عملت في سوريا صحفي لمدة 14 سنة، تحصيلي العلمي هو معهد متوسط هندسي، بعد ذلك درست في المعهد العالي للفنون المسرحية، اختصاص نقد وأدب مسرحي. حالياً أنا مقيم في النرويج منذ ست سنوات، وصلت إلى النرويج عام 2013، وتقدمت بطلب لجوء، وقد حصلت على الجنسية النرويجية منذ ثلاث سنوات.
بالبداية عندما وصلت إلى النرويج، تنقلت في الكثير من مخيمات اللجوء وأمكنة الانتظار، وبعد ذلك أقمت بسكن مشترك وهو يجعلك في اختبار حقيقي لمسألة الثقافة والعادات اليومية التي تعكس بشكل أو بآخر المفاهيم الثقافية والاجتماعية والإنسانية التي نكونها. مجتمعنا الشرقي عموماً والسوري خصوصاً هو مجتمع دافئ، يقوم على مبدأ التواصل الاجتماعي شبه اليومي مع الآخر، ويعتبر السؤال عن الأخبار أو الصحة أو السلام بشكل تلقائي هو شكل من أشكال الاحترام، أي لا تستطيع أن تمر بأحد تعيش معه في ذات البيت دون أن تقول: صباح الخير، وتسأله عن أخباره بشكل سريع.
كنت أسكن مع شخصين، كل واحد منا له غرفته، وهناك بعض الأمور مشتركة في البيت، مثل الصالون والمطبخ والحمام. الشخصين كانا نرويجيان من جيل الشباب، وهما يعملان بينما كنت في حالة بحث عن العمل ودراسة لغة. وفي كل يوم صباحاً عندما أخرج من غرفتي، أجد أحد هؤلاء الأشخاص يجلس في الصالون يعمل على حاسوبه، وبشكل تلقائي حسب تقاليد مجتمعنا الشرقي نقول: صباح الخير. فيرد عليّ ببرود، أو يهزّ رأسه مع كلمة: أهلاً. وعندما أقول له: كيف حالك، أنت بخير؟ وهنا يستغرب السؤال، وربما يندهش فيأخذ أربع أو خمس ثواني بينما عيونه مصوبة نحوي، فأتجه فوراً إلى المطبخ وأتابع حياتي اليومية. هذه الحالة تكررت عدة مرات، فشعرت أن ردّة فعله ليست إيجابية أبداً، مما استدعى أن أسأل شخصاً آخراً، هو صديق نرويجي أثق به ولدي أريحية بالتعامل معه، فقلت له: شريكي في السكن، أسلم عليه بشكل يومي، كلما أراه أول النهار، وأسأله عن أحواله. هنا ضحك صديقي كثيراً! وسألته لماذا يضحك؟ فقال لي: أنني هكذا أتدخل بحياته الخاصة! وأنت أصبحت جزءاً من البيت الذي يعيش هو فيه، ولا داعي كل ما رأيته تسلّم عليه أو تسأله عن أخباره.
طبعاً يمكن أن تقيس ذلك على مجمل التفاصيل الأخرى، مثلاً هناك عادة في مجتمعنا أنه عندما تطبخ أو تحضّر طعاماً ما وهناك من يسكن معك في المنزل، فإنه من المعيب ألا تدعوه إلى الطعام أو على الأقل أن تعزمه على مقدار صغير للتذوق أو ليرى شيئاً جديداً أنت صنعته. وبقيت مستمراً من حيث الخلفية التي جئت منها، أمارس عاداتي، فكل ما طبخت وكان أحد ما موجود في الصالون أقدم له قليلاً من الطعام، وهو يُسرّ كثيراً. ولكن الصدمة أنهم لا يمارسون هذه الحالة معي، مثلاً أكثر من مرة أدخل إلى المطبخ أجد أحدهم يطبخ، وطعامه شبه جاهز، فلا يدعوك مثلاً للتذوق أو يقول تفضّل.. أو شاركني.. أو يرد لك الشيء الذي فعلته معه!
الإنسان بطبيعته يبحث عن الراحة والاستقرار النفسي، كلما تقرّب من التصرف بتلقائية وعفوية كلما شعر بالراحة، كلما حاول أن يكون تلقائياً فمن الممكن أن ينجح. هذا باعتقادي أحد الأسباب التي تجعل اللاجئين العرب يحاولون بناء تجمعات أو مناطق يتجمعون فيها كي يكون الجو العام هو الطابع الشرقي، فيعيشون براحتهم وبدون حاجة للتواصل مع الآخرين ولا يكونوا غير ما هم عليه.
أنا أنس زرزر وهذا جزء من قصتي التي أعيشها في النرويج.