"شعرتُ أنّي نتيجة صراع هويّات"
تخبرنا ايمان سليمان (48 سنة) من سوريا، عن وصف هويتها بشكل عام قائلة:
أنا سوريّة، من طرطوس تعود أصول عائلتي إلى المذهب العلويّ، لكن بعد اختلاطي بالمجتمع بمختلف ألوانه، رأيت نقاط الضعف والثغرات لدى كل الأديان الموجودة في محيطي، لقد فقدتُ تلك الانتماءات، خصوصاً وأنّ زوجي لا دينيّ، وعائلتي الصغيرة كذلك. نحن ننتمي إلى طبقة وسطى، وعائلتي لا دينية بامتياز، ومنفتحة وتقبل الجميع.
أمّا عن نسب العائلة بشكل عام وحول ظروف الانتقال المذهبي ضمن العائلة، تاريخياً، تروي ايمان:
جاءت جدتي من كريت (جزيرة يونانية) منذ حوالي 130 سنة، وذلك نتيجة النزاع بين المسلمين والمسيحيين، حينها قامت الدولة العثمانية في زمن السلطان عبد الحميد الثاني بنقل المسلمين الى أماكن أخرى، وعلمنا فيما بعد أن قسم من أقاربنا المسلمين في كريت أصبحوا مسيحيين وبقوا في هناك، وبحسب جدتي، فإن السفينة التي أقلتهم من كريت توقفت في مدينة مرسين التركية، وهناك ضاعت أختها، ولم يسمعوا خبراً عنها، ثم أكمل بقية المهاجرين إلى بلدة الحميديّة، والتي تقع بين بلدة "المنطار" وبلدة "عرب الشاطئ" جنوب طرطوس، عاش المهاجرين منغلقين على أنفسهم وذلك لمدة جيلين أو ثلاثة ولم يختلطوا بجيرانهم من العلويين في "المنطار" أو جيرانهم السُّنّة في بلدة "عرب الشاطئ".
بالنسبة للانتقال المذهبي ضمن العائلة:
جدة والدتي ذهبت الى شيخ معروف في منطقة الدريكيش (محافظة طرطوس) واستطاعت أن تقنعه بأن يعلم ابنها الدين العلوي، وتعلم جدي والد أمّي المذهب العلويّ، ولاحقا صار شيخاً، يمارس كل الطقوس والعادات العلويّة، لكن بشكل غير معروف وغير معلن، أما في ظاهر الأمر فكان يبدو سُنّيّاً ضمن مجتمع المهاجرين، بينما ابنة عمّ جدة والدتي (التي جاءت معها من كريت) بقيت عائلتها سُنّيّة بالكامل.
وعن أثر الفرق بين الهويات الثلاث على طفولة ايمان، تروي حادثة حول زواج والدتها، قائلة:
لم تكن جدتي تريد أن تزوّج أمّي بعمر مبكر (30 سنة)، حيث كان يريدها شخص من أحد العائلات السُنّيّة المهاجرة، ولذلك هربت جدتي مع حفيدتها (والدتي) من الحميديّة إلى طرطوس، وسكنت في حي الرمل، ورغم أن والدتي وجدتي كانتا محجبتان، نتيجة العادات في المنطقة التي هربوا منها، وكان مكان سكنهم معروفاً بالنسبة للشخص الذي يريد الزواج بوالدتي، وحاول خطفها، لكن شاءت الصُدف أن تلتقي جدتي بعائلة من قرى طرطوس، وطلبوا يد أمّي وكنتُ ثمرة هذا الزواج، وبسبب تلك الصراعات والملاحقات شعرتُ أنّي نتيجة صراع هويات.
أمّا في مرحلة الشباب، تتذكر ايمان أن زواجها في الجامعة، غيّر في حياتها كثيراً حيث تزوجتُ من شاب علوي، كما تقول:
كان مهندساً، وصدف أن والده يعرف جدي من جهة أمّي، ويعرف أنه علويّ، ويمارس كل الطقوس بشكل غير ظاهر، وحين طلبوا يدي، تساءل بعض أقاربهم: "كيف تزوجون ابنكم لفتاة، مذهبها غير معروف وأمها محجبة؟!" وسمعت ذلك من عمّي والد المهندس الذي أصبح فيما بعد زوجي، وكنتُ أشعر في تلك اللحظات أني أعيش ذات النزاع الذي عاشته والدتي عندما تزوجت بسبب هذه العقليّات الضيّقة.
وعن أثر الفرق بين الهويات الثلاث وعلاقتها مع عائلتها، تشير ايمان:
زوجي كان لا دينياً، يمارس بعض الطقوس والأعياد من أجل إرضاء أهله وأقاربه وعدا ذلك هو علماني، وأشعر بانسجام عائلي وقد انعكس هذا الأمر على أولادي الذين أصبحوا كذلك لا دينيين.
أما علاقتها مع أقاربها، فكانت مقتصرة على اللقاءات في المناسبات، وكانت بيوتهم قريبة من بعضها البعض، ومع بداية الأحداث في سوريا في السنوات الأولى، فرّقت الأحداث بينهم، بسبب اختلاف المذاهب الدينيّة والتوجهات السياسية.
وتؤكد ايمان أنها لا تمارس من المذهب السابق، أي طقوس دينية بالعائلة، سواء علويّة أو سُنّيّة لكن والدتي بقيت محجبة لفترة طويلة حتى كبرنا ومن ثم لبست ايشارباً خفيفاً، ولاحقاً نزعته نهائياً. إن حصيلة صراع الهويات هذا هو صفر، لم نأخذ شيئاً لا من المذهب العلويّ ولا المذهب السُنّيّ، تركنا المذاهب خلف ظهرنا وتابعنا حياتنا.
أمّا على مستوى المجتمع المحيط، فقد كان لأثر الفرق بين الهويات الثلاث، هو شعوراً إيجابياً حسب ما تقول ايمان:
منحني هذا الفرق مرونة للتعامل مع كل أطياف المجتمع المحيط، وهذا الأمر سمح لي بأن أنشط في المجتمع المدني وأن أتعامل مع كل الأطياف دون تحفّظ.