براء سراج الدين

احد مقابلات حزمة: التعايش السلمي في المهجر,
Original Interview Length:
سجلت هذه المقابلة في: بيروت, لبنان
فريق الانتاج:
المواد المتوفرة لهذه المقابلة:

قبل قدومه الى لبنان، كان براء سراج الدين يظنّ أنّ نمط حياة اللبنانيين كما تظهر على التلفزيون، بمعنى أّن جميع الناس مرتاحين وسعداء وهمّهم الوحيد الترويح عن أنفسهم بالسهر والسفر وغيره. بعد ذلك وجدَ أن لبنان يشبه سوريا الى حد بعيد، على مستوى الوضع المعيشي والاجتماعي والسياسي، ربما أسوأ أو أفضل من سوريا، ولكن لا يوجد ذاك الفارق الهائل من الأرض للسماء كما كان يبدو في التلفزيون.

عمل براء لنحو أربعة سنوات في مقهى بمدينة طرابلس، حيث اقتصر عمله بادىء الأمر على تقديم الأراجيل للزبائن، وتدرّج في العمل الى أن صار "معّلم"، تزامناً مع دراسته للأدب الإنجليزي في الجامعة اللبنانية. كانَ يضطرّ حينها للتحدثّ باللهجة المحلية الطرابلسية تفادياً للتنمّر الذي كان يتعرض له سواء عن طريق المزاح أو بشكل جدي في حال تحدث باللهجة السورية. ومع مرور الوقت وبعد تخرجه وتغيير نطاق عمله نحو مجال العمل المدني الاجتماعي الذي ينظر له نظرة مختلفة كما يقول، بدأ يستعيد الحديث بلهجته، بعد كسر حاجز الثقة مع المجتمع.

ويقول براء: "كنت أتكلم باللهجة الطرابلسية بسبب إقامتي في منطقة شعبية ومهمشة، إحدى نقاط تفريغ ضغوطاتها تصب في المجتمع السوري الموجود هناك، حيث يمكن خلال نفس الأسبوع أن يتكرر مشهد لسوريّ يتلقى الضرب في أحد الشوارع لأنه نظر نظرة خاطئة لأحد شبان المنطقة. ولكن في العموم، ومنذ بداية عملي ودراستي وحتى اليوم لديّ علاقات جيدة مع لبنانيين مقربين جداً، قدّموا لي يد العون في مختلف الأماكن حتى ولو معنويًا".

حصلَ براء بعد التخرج على منحة في الجامعة اللبنانية الدولية لدراسة دبلوم في تعليم الأطفال المصابين باضطرابات ما بعد الأزمة. توّسعت شبكة علاقاته بعد أن كانت مقتصرة على شركاء السكن من طلاب الجامعة وغيرهم، ذلك إبان عمله ضمن مشروع يهتم بالنواحي التعليمية لـ 500 طالب وطالبة، صار لديه تواصل مباشر معهم جميعاً.

غيّرت السنوات الثمان التي قضاها براء في لبنان من نظرته إلى كثير من الأمور، فقد كان حافظاً للقرآن الكريم منذ سن الخامسة عشرة، نظراً لطبيعة عائلته المتديّنة، فوالدته ما تزال مسؤولة عن تعليم الدين لحوالي 500 امرأة في سبعة مساجد في سوريا. اليوم يعّرف براء عن نفسه بأنه مسلم روحاني غير متديّن، لأن لديه تساؤلات كثيرة ليس بوسعه تفسيرها عن طريق الدين.

يقول براء: "وجدت نفسي هنا في منطقة سكانها متدينون ظاهرياً، ولكن تصرفاتهم وطريقة تفكيرهم وكل ما يخصهم ما عدا شكلهم هو معاكس للدين في ذهني، كانوا أشخاصاً عنيفين وكاذبين وسيئين وانتهازيين. هذا فضلاً عن القصص التي تحصل معك والكوارث التي تدور حولك والتي تهزّ قناعاتك. ما يزال الدين يشكل جانباً من شخصيتي وطريقة تفكيري وهويتي، لكنه غير طاغ على باقي جوانب الحياة".

من جانب آخر، أثّرت تجربة العمل المدني الاجتماعي في فهم براء للمجتمع اللبناني، بل في فهم المجتمعات عامة دون تخصيص، كيف تتصرف ولماذا تتصرف بهذه الطريقة أو تلك. كانت نظرته تتسم بالكراهية وردة الفعل السلبية لما تعرض له سابقًا من مضايقات. ولكنه علم لاحقاً أن الناس يمكن أن يعانوا على مستوى الموارد غير العادلة أو الحقوق، وبالتالي يصدر عنهم رد فعل، وهو ليس ذنبهم بل ذنب من يحكمهم، فتغيرت نظرته تماماً.

يقول براء: "تعرّفتُ من خلال الأنشطة الاجتماعية إلى أشخاص يعزّزون الأمل لديك بحصول تغيير ما، يتقبلون وجودك بينهم، ويرغبون في العمل معك يداً بيد لإفادة أهلهم وأهلك. فعندما أختارُ النشاطات التي أتواجد فيها يكون احتمال اللقاء بأشخاص يعكسون صورة سلبية عن المجتمع اللبناني أقلّ بكثير".