جمان محمد

احد مقابلات حزمة: قصص عن الانتماء,
Original Interview Length:
سجلت هذه المقابلة في: لندن, المملكة المتحدة
فريق الانتاج:
المواد المتوفرة لهذه المقابلة:

أنا اسمي جمان محمد، عمري 50 سنة، عراقية الأصل وحالياً بريطانية الجنسية، أعيش في لندن المملكة المتحدة، عمري الآن 50 سنة، تحصيلي العلمي السابق في بلدي العراق هو بكالوريوس حاسبات من جامعة بغداد. كنت أدرّس في نفس الجامعة بعد التخرج كمعيدة في الجامعة، والآن حصلت على ماجستير في الصيدلة من جامعة لندن عام 2015.

غادرت العراق بسبب الظروف السيئة السياسية والاقتصادية الصعبة التي واجهت العراق من 1980 إلى يومنا هذا. وبالتحديد بعد سقوط بغداد عام 2003 في أغسطس- أب. وكان الهدف من هجرتي إلى المملكة المتحدة هو البحث عن بلد آمن للعيش، وكذلك أيضاً الاستقرار المادي والمعنوي.

أنا أنحدر من عائلة مثقفة، ومستواها الاجتماعي جيد، فيها العديد من حملة الشهادات العليا والمثقفين. ووالدي -رحمه الله- كان أديباً وشاعراً.

سأحكي لكم قصتي، منذ جئت إلى بريطانيا كان لدي آمال بأن الحياة سوف تصبح وردية، لكن ما إن غادرت المطار حتى انقبض قلبي وروحي سحبت مني، بدأت أبكي بغزارة، وكنت أشعر أن دماً ينزل من عيوني وليس دمعاً. ما القصة؟ لم أكن أعرف أي تفسير لهذا الشعور الذي انتابني لحظة خروجي من المطار كأني اختنقت، أريد التنفس لكن لا يوجد هواء، هذا ما حدث لي.

بعد ذلك اكتشفت أن هذه هي الغربة، فقلت لنفسي: سوف يهون كل ذلك، كنت أهوّن على نفسي.

مرت أيام وأيام وهذا الشعور أخذ يكبر يوماً بعد يوم، أصبح كآبة، أصبح كأنه سكين تقطع أحشائي من الأعماق. طبعاً تجاهلت ذلك، وقلت: أنا جئت إلى هنا، لم آت لأندب حظي. لذا يجب أن يكون غداً أفضل، يجب أن تكون حياة أفضل، وأقنعت نفسي بأني أنا الداء وأنا الدواء.

بعد ذلك قلت يجب أن أتعايش، أتعايش بشكل جيد مع هذا المجتمع، حسناً، كل شيء غريب عني، كل شيء، الجو، الأكل، الأديان، الطقوس، العادات التقاليد، وأنا إنسانة مسلمة محافظة نوعاً ما على ديني، فكيف سوف أتعايش معهم؟ أشعر بهم… هم لم يرفضوني، ولكن لم أكن أعرف كيف أدخل إليهم.

بعد جهد جهيد وبما أني إنسانة أكاديمية وعندي العلم أهم شيء بالحياة، قلت لنفسي: هيا أنت لا تعرفي إلا هذا السلاح أو هذا المفتاح، يجب أن تتعلمي اللغة بشكل جيد، حتى تستطيعي الدراسة ويكون لديك مفاتيح تدخلين بها عبر علمك ولغتك إلى هذا المجتمع، حتى تفهمي حيثيات هذا المجتمع، لكني لم أكن أعرف السبيل كيف، لم يكن إلى جانبي أناس يساعدوني أو يرشدوني، كنت أسأل بعض الناس الذين تعرفت إليهم ولكن لم يكونوا يعرفون أو لم يكونوا مهتمين أو ليس لديهم القابلية للمساعدة.

المهم قلت: يجب أن أعتمد على نفسي، أنا جئت وحيدة ويجب أن أعتمد على نفسي بكل التفاصيل. وفي يوم من الأيام كنت أمشي فوجدت مكتبة قريبة على السكن، دخلت وكلي خوف كلي رعب، كلي عدم ثقة بالنفس، لم أعرف كيف أسأل، وبلغتي المبعثرة حاورت البنت اللطيفة المسؤولة وأخبرتها أني أحب القراءة، وأريد أن أتعلم اللغة لأنضم بوقت الفراغ إلى هذه المكتبة، آتي للقراءة وأقضي وقتاً بها. فكانت سعيدة جداً وأحبت أن تساعدني بكل طاقتها، أعطتني كتاب صغير عن تعلم اللغة لمثل حالتي، للمستجدين، أستخدم أحياناً قاموس ولكني أعرف أقرأ الإنكليزية، ثم ذهبت إلى المعهد أقرب معهد إلى منزلي وتقدمت إليه وبعد جهد انقبلت وداومت.

وكان ذاك المعهد فعلاً شرارة الانطلاق، يعني كان له الفضل الأول والأهم لتعايشي السلمي والفعال والصحيح مع المجتمع البريطاني الذي جئت إليه. ويعود الفضل في ذاك المعهد إلى أستاذين، معلمتي الأنسة أندريا ومعلمي السيد دومنيك، كان لهم الفضل الأساسي بتعلمي ليس فقط اللغة بل تعليمي أشياء تخص المجتمع كالعادات والتقاليد والقوانين، الصح والخطأ، الأديان، احترام الأديان الأخرى والتعايش السلمي مع الناس الذين يخالفونك في العقيدة أو بالدين أو بالأفكار. كيف نتعلم آدابهم. يعني علموني كل شيء، كانوا أصدقاء، وليس فقط أساتذة يعلمون مادتهم ويغادرون، ثم شاركنا معهم عاداتنا وتقاليدنا أيضاً من خلال بوابة شهر الخير.

جاء رمضان المبارك بعد فترة من بداية الدراسة، وكنت أستأذن لأخرج وأصلي وهم يستغربون، "لماذا تخرج في منتصف الدرس؟" وبعد ذلك عدت وشرحت لهم كل شيء. وكنت أحضر معي إفطاري بشكل نظيف وجميل ومرتب، وأقدم للجميع حتى نتشارك به، بالأخص حلويات التمر والقهوة العربية. وشرحت لهم التقاليد الخاصة يرمضان وأنه جزء من دينا وأنه يجب أن أصلي في مواعيد ويجب أن آكل في موعد، المهم شرحت لهم عن تقاليدنا وعاداتنا وطبيعتنا بالأكل وأكلاتنا العراقية اللذيذة. وبعد ذلك هم استغربوا أن العرب يأكلون بهذه الطريق النظيفة! وهكذا قهوتهم حلوة وهكذا طقوسهم الرمضانية جميلة، استغربوا واندهشوا، وقالوا: إننا عرفنا الآن الدور المدمر للميديا بتشويه الحقائق، وتوصيل حقائق أخرى غير الموجودة أصلاً، وهكذا بدأنا نتشارك، من الأديان إلى التقاليد إلى العادات، وحتى عندما نشتري شيئاً جديداً، أي أبسط التفاصيل دخلنا فيها.

أنا صرت أشعر أنني لا أستغرب وبدأت أتأقلم شيئاً فشيئاً مع المجتمع، ولكني لا أزال أحس بأني طفلة في جسم كبير، وهذا الشعور انتابني منذ لحظة دخولي إلى بريطانيا، طفلة في عمر الثلاثين، لأن كل شيء غريب عليّ، لست طفلة بمعنى أني صغيرة، فقط لأن كل شيء غريب عليّ. وفي يوم كنت جالسة مع المعلمة أندريا أثناء وقت الفراغ نشرب القهوة معاً، فقلت لها: أندريا، صحيح أني الآن أفضل من قبل، لكني لا أزال أشعر بغربة، أشعر بطفولة وأشعر نفسي بدائية، في هذا المجتمع ليس لي عمل، ليس لدي بيت، ولا أملك سيارة، ولا هوية، ولا جنسية ولا جواز سفر، ولا حتى بطاقة مصرف.

فقالت لي: جمان، ثقي بنفسك أكثر، كل هذه الأشياء سوف تأتي رويداً رويداً، لا تستبقي الأحداث.

قالت لي كلمة بنهاية حديثها: انظري جمان، أنا لن أستغرب ولن أكون مستغربة أبداً وواثقة كل الثقة أنه سيكون لديك شأن، وسوف تكونين لي زميلة كمدرّسة جيدة وناجحة وفي ذات الكلية وتعلمين المادة التي تحبينها.

فقلت لها: أتعتقدين؟

قالت لي: لا، لا، لا أعتقد، بل متأكدة.

طبعاً كلامها، قد لا تتخيلون كم منحني دفقة كبيرة من الثقة، وجعلني أحب نفسي أكثر وجعلني أتعب على نفسي بكل ما أتيت من قوة. وصممت أن أخوض المعركة بكل تفاصيلها. يجب أن أكون فعّالة في هذا المجتمع، ويجب أن اندمج اندماج كليّ بهذا المجتمع، وكل تلك الأشياء التي قلتها يجب أن تأتي كلها. وبدأت الرحلة من الصفر، وكلام تلك السيدة كان شرارة الانطلاق بالنسبة لي. بدأت وأصررت وخضت التجربة بكل تفاصيلها وصعوباتها، من دراستي للغة إلى المتوسط إلى الإعدادية إلى شهادات أخرى إلى الجامعة، إلى أن دخلت إلى أرقى وأحسن جامعة "لندن كولج"، وتخرجت من هناك من الأوائل بمرتبة الشرف في ماجستير الصيدلة عام 2015.

هذه هي كانت قصتي أنا جمان من بريطانيا.