كونا سعيد

احد مقابلات حزمة: قصص عن الانتماء,
Original Interview Length:
سجلت هذه المقابلة في: لندن، المملكة المتحدة
فريق الانتاج:
المواد المتوفرة لهذه المقابلة:

أنا اسمي كونا سعيد، أنا من كردستان العراق، جئت إلى المملكة المتحدة منذ 21 عامًا كلاجئة سياسية مع ابني البالغ من العمر ثلاث سنوات. لم يتمكن زوجي من الفرار معنا حينها؛ لكنه انضم إلينا بعد ثلاثة أشهر.

على الرغم من أنني حصلت على شهادة في الهندسة الإلكترونية من جامعة الموصل، لكنني لم أتمكن من الحصول على وظيفة في مجالي، وكان ذلك بداية التسعينيات، فكان عليّ أن أعمل في مجالات أخرى لكسب العيش، أتذكر أن أول عمل كان لي كان في إعدادية الصناعة للبنات في مدينة السليمانية، ولكنني اضطررت إلى إيقافه بسبب حرب الخليج الأولى عام 1991، وأيضًا كعاملة مساعدة مع المنظمات غير الحكومية الدولية، وبعد ذلك عملت في العديد من المصانع الصغيرة التي تصنع الأحذية، وتطبع الحقائب المحمولة خلال سنوات العقوبات الاقتصادية في العراق. والأهم من ذلك أنني كنت ناشطة سياسية مع حزب سياسي يساري ومنظمة نسوية.

قضيت ليلتي الأولى في المملكة المتحدة في نزل كبير جدًا للاجئين بالقرب من مطار "هيثرو"، وكان الأمر مخيفًا للغاية حيث بدا وكأنه سجن كبير مليء بأشخاص مختلفين من جميع أنحاء العالم، أناس لا أعرفهم ولا يعرفوني. في اليوم التالي وصلت صديقتي العزيزة سميرة وانقذتني، شعرت بأنني أسعد شخص على قيد الحياة لأن لدي أصدقاء جيدين مثلها، وهي عراقية من الذين قدموا إلى المملكة المتحدة قبل بضع سنوات، لقد ساعدتني كثيراً لبدء حياتي، ولتقديم طلب لجوء، وللحصول على إعانات الإقامة والضمان الاجتماعي، ساعدتني كثيرًا وتعلمت الكثير منها.

حصلت على تصريح عمل بعد ستة أشهر من وصولي؛ في ذلك الوقت كان ابني الصغير في الحضانة، وكان زوجي قد انضم إلينا، وكان لدينا شقة صغيرة في أحد الأحياء الفقيرة في لندن. ساعدنا أصدقاؤنا في تأثيث الشقة. لقد أصبح لدي منزل مناسب مع عائلتي الصغيرة، ومُحاطًة بأصدقاء رائعين حيث يمكننا تناول طعامنا التقليدي والاستمتاع بالموسيقى والحياة الاجتماعية، لكني في الحقيقة أردت المزيد! فقررت العمل.

كانت وظيفتي الأولى نادلة في مطعم حيث عملتُ لمدة عام وأربعة أشهر، وخلال هذه الفترة تحسنت لغتي الإنكليزية كثيراً وأصبحت أفضل، قبل العمل هناك، لم أكن أعلم أبدًا ما هو التونة، الجمبري، لحم الخنزير، الشيدر والأسماء المختلفة للجبنة، كنت أعرف فقط الأسماك واللحوم والجبن، أشياء بسيطة، كلها تعلمتها هناك.

ذات يوم جاءت عائلة أمريكية، كانوا يتبادلون النكات ويضحكون بصوتٍ عال وسعداء للغاية، ثم طلب الأب " فلفلاً حارًا"، فأحضرت له "تاباسكو"، نظر إليه وقال: "إنّه حارٌ حقًا"، وأنا لم أكن أعرف حينها أن كلمة " hot" والتي تعني "ساخن" تعني أيضًا "الفلفل الحار"، فظننته يقول: إنه ساخن، فقلت: "هل أضعها في الثلاجة"؟ بدأوا جميعا في الضحك بصوت عال، وقال: "إنّه جيد، هل تذوقيه"؟ وعلى ما يبدو ظنوا أنني كنت أمزح! استغرق الأمر عدة سنوات لأكتشف "نكتتي الخاصة" في ذلك اليوم وسبب ضحكتهم. أتذكر أنهم كانوا غارقين في موجة من المزاح والضحك الصاخب، لذلك ظنوا أني كنت أمزح عندما ذكرت الثلاجة لكن حتى هذه اللحظة لا أحد غيري يعلم أني لم أكن أمزح.

كان لدي صديقة إيرانية كانت تعمل مترجمة للمحامين، بالنسبة لي كانت الترجمة شيئًا رائعًا للغاية لأنها تعود بكسب وافر للغاية وتؤمن مستوى معيشي جيد. في أحد الأيام دعتني للذهاب بدلاً منها إلى الترجمة، شعرت بالتوتر الشديد، لكنها اعتقدت أنني أستطيع القيام بذلك بشكل مثالي، كانت تلك هي بداية مهنتي الثانية في المملكة المتحدة للسنوات الثلاث القادمة.

في يناير 2003، كنت أحد أعضاء WASSR وهي منظمة غير حكومية تعمل على ضمان كبار السن لحقوقهم وتمكنهم من الوصول إلى خدمات الدعم المتاحة لهم. ثم أدركت المنظمة أنها محصورة بالبيض والإنكليز فقط، وأنها بحاجة إلى أن تكون أكثر شمولاً للآخرين، وقررت التواصل مع كبار السن من مجتمعات BAMER (السود). لذلك كانوا يبحثون عن شخص لديه مهارات لغوية أخرى غير الإنكليزية ومهارات عرض جيدة، وكنتُ أتمتع بكلا الصفتين، كنت أتحدث العربية والكردية في ذلك الوقت فأخذت الوظيفة.

كانت السنوات السبع التالية من العمل في WASSR مليئة بالتعلم والنضوج وإعادة تشكيل قناعاتي، وتنمية شخصيتي، كلاجئة وكبريطانية وككردية وعراقية، ورفع معاييري، وفهم العنصرية، والتمييز، وفهم ديناميكيات القوة في مكان العمل وأكثر من ذلك بكثير.

مكنني العمل لدى WASSR، من القيام بكشوفات المرتبات ودفع الضرائب مما زاد ثقتي وعلى مر السنين، ساعدني تقديم الدّعم للمسنين الذين ربما عاشوا طوال حياتهم أو معظم حياتهم في المملكة المتحدة، على تقديري لذاتي وتحويل تصوري للذات من الضحية التي تتلقى الخدمات إلى الطرف الآخر من تقديم المساعدة والخدمات للآخرين بغض النظر عن العرق أو الثقافة أو الجنس. كنت أشعر بالديناميكية و أشعر بالانتماء وأشعر أني إنسانة مع حقوق ومع واجبات وأعيش في بلد كبريطانيا، وذلك جعلني أشعر أن هذا بيتي وهذا وطني مثل ما كان العراق وكردستان بيتي ووطني.

الاندماج لعب دورًا مهماً في مسيرتي وخاصة بالنسبة للنساء، فقد أدى لتكريس السنوات العشر الأخيرة من حياتي العملية لمنظمة ""KMEWO (منظمة النساء الكرديات والشرق أوسطيات في المملكة المتحدة)، التي ساعدت في تأسيسها في عام 1999. أمضيت ست سنوات في إدارة البرامج المتكاملة للنساء المعزولات، وعملت مع مجموعات منغلقة جداً من النساء لمساعدتهن على تعلم اللغة الإنجليزية ومهارات تقنية المعلومات، مثلاً نزور المتاحف والمزارع والمكتبات المحلية، ونساعد الناس على التطوع أو العمل أو بدء الدراسة الجامعية. انتقلت الآن إلى جمع الأموال، وأجمع التبرعات للمشاريع التي تساعد على اندماج المرأة في المجتمع البريطاني.

هذه مسيرة حياتي التي عشتها في بريطانيا لمدة 21 سنة.