خديجة العميمي

احد مقابلات حزمة: ٤٢ عاماً من القمع,
Original Interview Length:
سجلت هذه المقابلة في: مكاتب قناة ليبيا الأحرار في بنغازي
فريق الانتاج:
المواد المتوفرة لهذه المقابلة:

"تمّت مكافأة بعض الأساتذة بمناصب هامة لاغتيالهم الليبيين في الخارج"

تعمل خديجة العميمي في التلفزيون الليبي حيث تقوم بإنتاج برامج لا تخضع للرقابة حول حياة ليبيا وأهلها. كانت العميمي خلال العقد الذي سبق فبراير 2011 تملك شركة وتعمل في جامعة قار يونس، لكنها كانت تتعرّض باستمرار للعديد من المضايقات من قبل قوى الأمن. تقول خديجة عن تلك المضايقات “حاول القذافي خلال السنوات الأولى بعد عام 2000 أن يُظهر للغرب ليبيا بلدًا منفتحًا، فقررتُ في العام 2004  أن أفتتح مقهى إنترنت.”

لم يكن ذلك الأمر شائعاً بعد، كما أنه كان مكْلِفاً ومرهقاً بسبب إجراءات الترخيص المتعبة والطويلة للمقهى، والتي تتطلّب تدخّل الأجهزة الأمنية وتمحيصها، بدا الأمر وكأنني أُنْشِئُ محطة نوويّة. “مضتْ ثلاثة أشهر حتى حصلتُ على الترخيص، ترخيص مشروط بأن أصرّح عن أسماء الزبائن، وأن أفرض سياسة تمنعهم من زيارة مواقع إلكترونية تتطرّق لموضوع الأمن القومي.”

“داومَت قوّات الأمن على زيارة المقهى منذ افتتاحه للتأكّد من تعليق هذا القانون بصورة  ظاهرة، أذكر في مساء يوم من عام 2005، وبينما كان المقهى يعجّ بالزوّار من الروّاد والمثقّفين والشعراء، قامت شرطة السياحة بزيارتنا وطلبت منّا إخلاء المقهى  وإغلاقه، لم أمتثل لأوامرهم إذ لم يكن بحوزتهم ورقة رسمية تشرح أسباب هذا الطلب، كما لم تكن مقاهي الإنترنت من مسؤولية شرطة السياحة. وما إن انسحبت الشرطة حتى تبعتها قوة من الأمن الداخلي أمرت الزبائن بإخلاء المكان”.

فصلوا خدمة الإنترنت وأخذوا جهاز استقبال الشبكة معهم، ورافقتهم العميمي للاستجواب، وهناك في مكان الاستجواب بقيت جالسة على المقعد ذاته لمدّة ثلاثة أيّام، فما إن يستجوبها أحدهم حتى يأتي آخر. تقول خديجة إنهم تعاملوا معها بتهذيب، ولم يتمّ تهديدها لكنها في الوقت عينه تشير إلى عدم حصولها على أي تفسير حول أسباب مداهمة المقهى. وعند إطلاق سراحها طُلِبَ منها أن توقّع على تعهّد خطّي كما كان يفعل أي مواطن في ليبيا بعد حبسه أو استجوابه. تقول عن ذلك “كان التعهّد دسماً جداً، وتضمّن وعداً منّي بأن أزور مكاتبهم كل يوم سبت، وأن أتحمّل المسؤولية الكاملة في حال قام أحد الزبائن بزيارة مواقع إلكترونية تهدّد أمن البلد.
لم يحدّدوا نوع المواقع، لكنهم قالوا إنه عليّ مراقبة جميع الزبائن ونشاطاتهم وتسجيل أسمائهم وأوقات حضورهم والمواقع التي يزورونها”.

عند إطلاق سراحها، اكتشفت العميمي أن أحد زبائنها، وهو صديق أيضاً، لقي حتفه على يد مهاجمين اختطفوه قبل ساعة من مداهمة قوى الأمن للمقهى. تقول عن هذه الحادثة  “كان  (ضيف غزال) صحافياً شجاعاً بقلم لاذع، كتب آخر مقال له بعنوان (من هو الخائن ومن هو الجبان؟)، وأعتقد أن هذا ما أودى بحياته لأنه ألقى باللوم على النظام، وتعدّى الخطوط الحمراء في بلاد كانت مكبّلة بكل ما للكلمة من معنى. عُثر عليه لاحقاً وأصابعه مقطوعة وعينه مفقوءة، ومصاباً برصاصة في الرأس، و كما ظهرت على جسده علامات التعذيب. كان من الغريب أن يقطع اللصوص أصابعه، وأيضاً من كان ليملك رصاصة في العام 2005  حتى ولو فارغة؟”.

سؤالها  لا يتطلّب إجابة، كان سؤالاً ساخرًا ولم يصبح مقبولاً إلا بعد ثورة 2011.

بعد مرور عام على تلك الحادثة، وعند انتهاء  تظاهرة خارج السفارة الإيطالية في بنغازي أدّت إلى وفاة عشرة ليبيين، تمّ إغلاق مقهى العميمي مرّة أخرى بكل أقسامه، فشعرت أن الأمر يستهدف استقرارها المالي من أجل الضغط عليها والحصول على ولائها. بعد عشرة أيّام فقط، أعادت خديجة العميمي فتح المقهى  مواجهة المضايقات المستمرّة، لكن الأمر لم يطلْ حتى تمّ إغلاق المكان نهائياً بعد مرور عام.

عندها، ركّزت العميمي على عملها كرئيسة لاتحاد طلاب كلية الهندسة في جامعة قار يونس حيث كانت تعمل مع صديقها جلال الكوافي. تقول عن عملها في الجامعة “لم تكن جامعة قار يونس معهداً أكاديمياً، بل قلعة أمنية مليئة برجال النظام، تخيلوا! كانت تتمّ مكافأة الأساتذة بمناصب عليا لاغتيالهم الليبيين في الخارج“.

كانت كل الأفعال المشينة تحدث هناك، وكان صديقها جلال وزملاؤه يفضحون تلك الأعمال، يكتبون عنها ويتركون منشوراتهم في الباحات. لم يكن جهاز الأمن في الجامعة يعلم من وراء تلك المنشورات، لكن الشكوك  كانت تحوم حول كوافي والعميمي وغيرهما. نصحها البعض بالابتعاد عن كوافي، إلا أن صداقتهما كانت قويّة ومعلنة.

عشية 10 فبراير 2011 علمت خديجة من زوجة كوافي أنه لم يعد إلى المنزل وعلمتْ من أحد المصادر أيضاً أنه معتقل، وأتى إليها أحدهم يحذرها، لأن اسمها ذُكِرَ في مكاتب الأمن الداخلي. تقول خديجة “في اليوم التالي اتصلوا بي وأخبروني أن جلالاً اعترف بكل شيء وأنهم سيساعدوننا إن أعلمناهم بأسماء البقيّة.  في الواقع، لم نكن نعلم أسماءهم، لأنها أسماء وهمية على الإنترنت ولم نتعرّف إليهم إلا بعد الثورة “.

تمّ  استجوابها إثر هذه الحادثة ثم أطلق سراحها. شاركتْ العميمي في تظاهرة  15 فبراير التي أدّت إلى خلع النظام. أما صديقها جلال الكوافي الذي كان يواجه حكماً بالإعدام، فقد تمكّن من الهرب وانضمّ إلى الثورة أيضاً.