دلدار فلمز

احد مقابلات حزمة: قصص عن الانتماء,
Original Interview Length:
سجلت هذه المقابلة في: زيورخ, سويسرا
فريق الانتاج:
المواد المتوفرة لهذه المقابلة:

أنا دلدار فلمز، مواليد 1970 سوري من القامشلي. كنت في سوريا أعمل في مجال الإعلام البصري والمكتوب، إضافة إلى كوني شاعر وفنان تشكيلي. وكانت أموري جيدة جداً، ومنذ أربعة سنوات، أنا في سويسرا، وتحديداً في مدينة زيورخ. كنت أعرف أن الأمور ستكون صعبة للغاية، وبحاجة إلى جهد مضاعف لأثبت نفسي أنني فنان تشكيلي، إضافة إلى وجود مشكلة اللغة، والعادات، التقاليد، إلى ما هنالك…

منذ السنة الأولى عندما وصلت، لم أحاول الذهاب إلى المعارض الفنية، دائماً كان هناك أصدقاء طيبين جيدين، هم من يقيم لي المعارض. وفي كل عام كنت أقيم معرضاً إلى حد هذه السنة. والنقطة الأساسية التي كانت تحولاً في حياتي، هي معرضي في متحف "هيلم هاوس" متحف الفن المعاصر في سنة 2019، التي كانت سنة مليئة بالعمل بالنسبة لي، فقد رسمت جدارية بطول مئة متر ارتفاع ستة أمتار في مدينة زيورخ، إضافة إلى معرضي في "هيلم هاوس".

بدأت القصة منذ نهاية عام 2018 كان هناك قائمة طويلة، أخذوا حينها رقم هاتفي وعنواني ثم جاؤوا لزيارتي، أول لجنة زارتني رأت أعمالاً كبيرة، فقالوا لي أنني كنت أخبرتهم عن أعمال يومية، وأنا كنت فعلاً أرسم كل يوم لوحة منذ العام 2010. فشاهدوا الأعمال اليومية، انبهروا فيها وأحبوها. وقالوا أن هناك لجنة ثانية سوف تأتي مجدداً، كان ذلك قبل الشهر التاسع عام 2019، وخلال هذه الفترة زارتني ثلاث لجان، آخر لجنة كانت برئاسة مدير المتحف. جاء مدير المتحف ورأى الأعمال، انبهر بها وسألني: ماذا أفعل حالياً وهل لدي عمل؟ قلت له أنني أعمل على جدارية في المكان الفلاني، فأعجبته الفكرة، وقال لي: لماذا لا ترسم عندنا جداريات أيضاً؟ وأضاف: نحن نعطيك حائطين تستطيع الرسم عليهم، فقلت له: ليس لدي مشكلة أنا موافق. ثم اتفقنا على بعض الأمور المادية والمواد إلى ما هنالك، وقبل المعرض بعشرة أيام أخبروني أنني أستطيع القدوم للرسم.

ذهبت وكان هنالك مواد جاهزة وبعض المواد ناقصة فأحضرتها، وعملت على جداريتين ضمن المتحف ارتفاع أربعة أمتار وطول 17 متراً، وجدارية ارتفاع أربعة أمتار وطول 11 متراً. وكان الانتهاء منهما بفترة عشرة أيام، وكان رقماً قياسياً. طبعاً أنا أعطيت جهداً كبيراً جداً للجداريتين وكنت أعمل لأوقات متأخرة في الليل حتى الثانية أو الثالثة فجراً تقريباً، كنت أعمل ضمن المتحف وكانوا قد أعطوني مفتاح المتحف وكانوا متعاونين كثيراً معي.

بعد ذلك أقيم حفل الافتتاح، وكان الإقبال جيد جداً، كنت مع عشرة فنانين آخرين في القائمة القصيرة، رغم ذلك وللحظة الأخيرة كنت أخشى أن يرفضوني عندما رأيت باقي العارضين وكان فيهم فنانين سويسريين أعمارهم تتجاوز الثمانين عاماً، كنت محظوظاً، وكانت هذه هي الخطوة الأولى لي للانتماء والتفاعل مع المجتمع السويسري، وتحديداً في مدينة زيورخ.

فيما بعد أصبح هناك اقتناء، ثمة عدد لا بأس من الأفراد اشتروا الأعمال وأحبوها، وأكثر من صاحب غاليري زارني واقترح عليّ أن يتم تعاون، فكنت أنا في موقع القوة وأنا أختار الشروط وأختار الغاليري المناسب لي وفق: مكانتها، اسمها، عراقتها، وأصبحت في موقع من يقرر. كان لدي مجموعة مشاريع في العام 2020 لكنها توقفت بسبب وباء كورونا العالمي، ووافقت على غاليري واحد كان عريقاً جداً ومكانه مهم للغاية، كان في زيورخ القديمة، وذلك كان العامل الأساسي الذي جعلني أنتمي للمجتمع السويسري.

والشيء الأبرز كان عندما جاءت مديرية الثقافة في زيورخ واشترت أعمال شهر كامل ووزعتها على مكاتبها، فصار لدي اسم، وأصبح لدي حضور في الوسط التشكيلي السويسري، وإضافة إلى ذلك لم أعد أخاف على مستقبلي كفنان تشكيلي، لأنه قبل معرضي في متحف "هيلم هاوس" كان هنالك خوف، ومع أني قبل ذلك كنت أبيع لوحاتي وكانت أموري جيدة، ولكن هذا المعرض كان نقطة التحول في حياتي، إذ ترك لدي طمأنينة وثقة بنفسي. لذلك أعمل الآن بثقة أكثر، أطرح أفكاري ورؤيتي ومشاريعي بشكل أقوى، وأتكلم من موقع الواثق من نفسه وبشيء من القوة.

أفادت تلك النقلة جانب الكتابة لدي، فقد كنت أعرف منذ البداية أني لا أتقن اللغة، ولذلك أحببت أن أقدم نفسي في الأربعة أو الخمس سنوات الأولى من خلال الرسم، ومن خلال اللوحة التشكيلية. فالعين لا حدود لها، أي إنسان عندما يرى شيء جميل، يحرك فيه أشياءً يتفاعل معها. وهذه الاستراتيجية أظهرت نتيجة. وبالتالي أنا حالياً أنفذ مشروع جديد في 2020، أرسم كل يوم أيضاً لوحة، أدخل فيها طوابع سويسرية، منها ما يعود تاريخها إلى 60 - 80 عاماً، وذلك ما أعطاني ثقة أكثر، وجعلني أشعر أنني على أرضية صحيحة في التواصل وفي العلاقات، فكان هناك تفاعل وكان هناك إحساس بالمسؤولية من الأصدقاء الذين كانوا يراهنون على تجربتي، فكانت مسؤوليتي أنه يجب ألا أخيب ظنهم بي وأن أقدم تجربة جديدة.

وعلمتني المسؤولية أنه يجب أن أشتغل على أدواتي أكثر وأن أطور نفسي أكثر، أقدم نفسي بشكل أفضل كدلدار، كشخص قادم من سوريا. لأنه من الصعب جداً أن يأتي شخص من بلد آخر إلى بلد مثل سويسرا ويجد مجالاً أو فرصة.

ومع مودتي فهذه قصة بالانتماء والاندماج في المجتمع السويسري. دلدار فلمز.