ربى الحمود

احد مقابلات حزمة: قصص عن الانتماء,
Original Interview Length:
سجلت هذه المقابلة في: فرنسا
فريق الانتاج:
المواد المتوفرة لهذه المقابلة:

أنا ربى الحمود من سوريا، من مدينة حمص، محامية وسابقاً صحفية، شاركت بالتوعية بحقوق المرأة السورية والعنف ضد المرأة وضد الطفل السوري، كانت فترة نشاطي من عام 2011 إلى عام 2017، حيث غادرت سوريا بسبب عدة ضغوط: أمنية، نفسية، والحرب، وخاصةً من أجل أن أحمي أطفالي. جئت إلى فرنسا عام 2017 وأنا هنا منذ سنتين وأربعة أشهر أقيم في مدينة بو، وأنا سعيدة بهذه المدينة.

مع أن البداية كانت صعباً عموماً، ليس بالنسبة لي فقط، بل بالنسبة لأي شخص يأتي إلى بلد جديد، حياة جديدة، عادات غريبة، لغة جديدة أنا لا أعرفها أبداً، كان هناك صعوبة في كل شيء حتى أثناء شراء الحاجيات خاصة بوجود طفلين. بالبداية لم يكن هناك أحد أتواصل معه، فتواصلت مع جمعية من أجل أن يساعدوني وأن أكون ضمن نشاطهم، لقد كان الوضع حينها ليس سهلاً أبداً.

طبعاً أول شيء كان يجب أن أعمله كي أبدأ بالطريق الصحيح، هو أن أبدأ بتعلّم اللغة الفرنسية. كان للجنوب الفرنسي لغة فرنسية محكية خاصة به، فكان علي، إضافة إلى الدروس، أن أتواصل مع فرنسيين كي أقوي لغتي، وصدف أن نشأت بيني وبين المعلمة، المسؤولة عني في الكورس الخاص باللغة الفرنسية، صداقة لطيفة. فبعد أوقات الدرس كنا نجلس معاً، نتناول القهوة ونتحدث معاً، والأمر الذي فاجئني كثيراً أن المعلمة لم يكن لديها فكرة عن سوريا، سوى أشياء سلبية، مما يشاع عن البلد وعن المرأة هناك، وعن المجتمع بشكل عام، وهذا الشيء سبب لي الإزعاج، لأننا لم نكن هكذا في سوريا.

وجلسة وراء الأخرى، بدأت أتحدث إلى المعلمة- الصديقة، أحاول تغيير فكرتها عن سوريا، دون أن أكون جازمة أو أن أهاجمها، لأن طبيعة الناس غالباً في مجتمع جديد تكون بالهجوم بدل الدفاع دون أن ينتبه لذلك، لذلك كنت حريصة ألا يكون ردي حازماً أو فيه عنف، فبدأت أعرض عليها أفلام قصيرة على موقع يوتيوب، وأحدثها عن الثقافة والحضارة في سوريا.

فدهشت لوجود مجتمع مسيحي كبير في سوريا، كما رويت لها عن منطقة "معلولا" و "دير الشيروبيم"، ولما عرضت عليها صوراً لمنطقة صيدنايا، وصوراً لكنائس موجودة في حلب، وفي حي الحميدية بحمص، تفاجأت فعلاً، لكون كل هذه التراث موجود في سوريا، وذلك على الرغم من أنها معلمة ولديها إطلاع وتسافر كثيراً، ولكن كانت حدود الشرق الأوسط لديها تقف عند بيروت، أو تركيا، أو القاهرة، أو حتى بغداد، لكن للأسف دمشق لم تكن قد سمعت بها قبل، وعلى هذا المنوال، في كل مرة أحاول أن أدعوها لترى فيديوهات وتعرف أكثر.

وفي إحدى المرات عرضت لها مقطع فيديو لشاعرة سورية هي "لينا هويان الحسن" ورأت صورتها، وكانت تظن أن سوريا بلد متعصب ومتطرف كثيراً، فلديها فكرة مسبقة أن سوريا كلها جماعات إسلامية متعصبة ومتطرفة، وأن المرأة ليس لها كيان هناك، ومرة تلو الأخرى كنت أحاول أن أصحح لها تلك المفاهيم الخاطئة. حتى دعتني إلى منزلها، وعموماً الفرنسيين حذرين فيما يخص الدعوة إلى بيوتهم، ربما يحتفلون بك، يفرحون معك، لكن مسألة الدعوة للبيت شبه غائبة عن عاداتهم. بالمقابل كنت قد دعوت المعلمة أكثر من مرة إلى بيتي وعرفتها على أولادي، وقامت هي لاحقاً بدعوتي لزيارة منزلها، وفعلاً ذهبت وكنت أود أن أريها شيئاً جديداً، وكان بعض الطعام السوري مثل "التبولة واليالنجي"، تفاجأت بنكهة الطعام، وبدأت أشرح لها عن المطبخ السوري، أنه مطبخ عريق، وفيه الكثير من الأشياء الصحية المفيدة. وفي النهاية توقفت عند طبخة محددة، وهي "البامية"، فقد لفت نظرها أنها من الخضار، وسألتني عن طريقة تحضيرها. في اليوم التالي أخذتها إلى سوق عربي، وتفاجأت بأنها تسوقت بطريقة غير طبيعية، فأخذت البامية ومعها "راحة الحلقوم"، كما أخذت "دبس رمان" وأعجبها لأنه طبيعي والفرنسيين لا يعرفونه، كما أخذت الكثير من الأشياء الأخرى، مثل: الحلويات الشرقية، رغم أنها دسمة، بعدها عدت معها وحضرت لها البامية في منزلها، وأحبتها جداً.

ربما دخلت إلى قلبها أكثر من باب المطبخ السوري، ومن باب أنها رأت شيئاً جديداً في هذه الثقافة، وكانت مسرورة للغاية بذلك. ثم بعد فترة عرّفتني على صديقة لها، وتحدثت عني أني مختلفة عن الذين يحضرون دروس اللغة الفرنسية، وقالت بأنني لست متزمته، وأني أتقبل كل شيء. لم أكن أعرف ما هي النظرة التي كانت لديهم عن السوريين للأسف، وأنا لا ألومهم ولا ألوم السوريين، فالظروف التي يتعرض له السوريين قاسٍية جداً.

وبعد ذلك تكررت الزيارات بيننا أنا وهي وثلاث من صديقاتها، إحداهن عمرها فوق السبعين عاماً. وأثناء أحد اللقاءات، قلن لي: "ربا، نريد أن نطلب منك شيئاً وربما يكون غريباً، لكننا نريده منك دون مقابل، أنا توقعت أن يطلبوا تحضير نوع محدد من الطعام، أو شيء يحببنه، أو أن أعرفهن على شيء جديد، لكن كان الطلب هو أنهن يردن تعلم اللغة العربية!

فقلت لهن: كيف ذلك، هل تقصدون فعلاً تعلم اللغة العربية؟

قالوا: نعم نريد تعلم العربية، ونريد أن نقرأ كتب عربية.

أنا كنت مسرورة جداً بذلك، شعرت أني أعطي شيئاً لسوريا، شيئاً لنفسي، وشيئاً لهم. اتفقنا على توقيت للدرس بشكل أسبوعي، والدروس لم تكن فقط أحرف، كنت أفتح لهم على موقع يوتيوب، عرفتهن على كاتبات سوريات، تفاجأت أنهم كانوا قد سمعوا بالكاتبة "ماري عجمية"، وكانوا قد سمعوا بمجلة "العروس" لكنهم لا يعرفون شيئاً آخر غير ذلك. ثم تحدثت لهن عن مواضيع كثيرة حتى وصل الحديث إلى الدكتورة "أماني بلور"، وهي طبيبة عملت في الغوطة بظروف صعبة جداً. كما حكيت لهن عن السينما السورية، عن المخرجة "وعد الخطيب"، وقلت أن لدينا سينما جميلة جداً ولكن لا يوجد إعلام يظهرها للخارج.

يمكن القول هنا أن الصداقة معهن، جعلتني أحب البلد، وأحب أسلوب الحياة فيه، تعرفت على عادات صديقاتي الفرنسيات، وفي الوقت نفسه صرن يتكلمن عن بلد جميل جداً، لكنه مُتعَب من الحرب، بلد اسمه سوريا له مطبخ خاص وفيه شعب جميل، وفيه كنائس وآثار يمكن زيارتها. وأصبح لديهم رغبة كبيرة جداً أن يأتي اليوم الذي يستطيعون فيه زيارة سوريا.  

أنا حاليا سعيدة للغاية بعد سنتين وأربعة أشهر، بدأت أمتلك عملاً، ولو أنه عمل بسيط، وأقوم الآن بمعادلة شهادتي. ولكني توصلت إلى نتيجة أنه نحن كسوريين مطلعين على الثقافة الفرنسية، وقد استطاعت أن تدخل إلى أفكارنا من خلال ترجمة الأدب الفرنسي، ونعرف الكثير من الكتاب، لكن للأسف الفرنسيين لا يعرفون شيئاً عنّا، ولا أدري إن كان ذلك مسؤولية الإعلام العربي، أو مسؤولية المترجمين أو مسؤولية الكتّاب العرب؟ الذين لم يستطيعوا اختراق الحضارة الغربية، وهذا هو الشيء الذي يجعل سوريا - نوعاً ما- مغيبة بحضارتها وتراثها وأدبها.

للأسف كل شيء صعب في سوريا، مع العلم أن لدينا المقومات الأولية للحياة والرفاهية والثقافة، ولا أدري بالضبط أين الخطأ حتى أن بلد مثل سوريا لا يسمع عنه من في الخارج؟ ويحز في قلبي عندما يسألوني أنت من أين؟ من بيروت أو من عمان؟ أمّا عندما أقول لهم من دمشق أو حمص، يسهمون قليلاً، ثم يبحثون عن ذلك في محرك جوجل ليعرفوا أين تقع! وهذا مؤلم، نحن كبلد لسنا معروفين في الخارج وإن كنّا معروفين، فذلك يكون ضمن حيز ضيق وسلبي للغاية. لكن سيأتي يوم ويزور أصدقائي سوريا.

تلك كانت قصتي مع أصدقائي وشعوري بالانتماء المتبادل معهم.