يحدثنا الأستاذ سامح نسيم من ورشة مصر توبيا المنبثقة عن مركز الإبراهيمية في أسوان عن مشروع تعزيز ثقافة السلام وقبول الآخر بين الأطفال، فيقول:
مصر توبيا هو مشروع يهدف لتعزيز ثقافة السلام وقبول الآخر بين: الأطفال المراهقين بالذات في بداية المراهقة من سن 10 إلى 14 سنة. ولتعظيم الفائدة انتقل المشروع في خطواته الأولى من شكل المعسكرات المغلقة لفكرة ورش العمل التي هي أقل تكلفة وأسهل في الانتقال لمناطق أخرى، وهو ما مكننا من الوصول إلى محافظات عديدة في مصر، وكان واحدة منها محافظة أسوان.
وكان أحد الإنجازات الكبيرة هو تواجد أطفال من القبائل العربية داخل ورشة تحتوي أطفال من القبائل النوبية، وكنا لا نزال خارجين من حالة طائفية عنصرية أدت لاشتباك عنيف بين القبائل العربية والقبائل النوبية، وتوفي فيها البعض، فكان مشروع مصر توبيا بوجوده بدأ اختراق حالة الجذب والاستقطاب داخل المجتمع، بمشاركة جماعية من أطفال القبائل العربية داخل ورشة تحتوي على أطفال قبائل نوبية، وعودة المجتمع مرة أخرى.
وانتقل الأستاذ سامح لشرح معنى المشاركة بمشروع تعددي، فقال:
من السهل أننا كمؤسسات نعمل على التعددية ونسعى لتعليمها للآخرين ورفع وعيهم بخصوصها. ولكن من المهم والأهم هو أن نعطي مثالاً حياً للمجتمعات، ومن أجل ذلك كان من الجميل أن لا نذهب لأسوان كمؤسسة ونقول أننا نريد أن نقيم نشاطاً، بل نتعاون مع آخرين من داخل هذا المجتمع، وألاحظ أنهم يكونوا مختلفين وهذا حقهم ويمارسون هذا الاختلاف، فكنا نحن مؤسسة الابراهيمية للإعلام منبثقة من الكنيسة الانجيلية في مصر، وكان معنا مؤسسة كنوز النوبية التي تعمل من أجل تنمية الأوضاع الاجتماعية للمرأة، وهي مؤسسة مجتمع مدني بحته لا توجهات دينية لها، لكن أعضاء مجلس إدارتها وأعضائها هم من المسلمين، كذلك الاتحاد النوبي العام الذي يشمل مجموعة من الجمعيات الأهلية النوبية في منطقة أسوان أيضاً أعضائه من المسلمين، لكن كلنا اجتمعنا لكي نحيا مع بعضنا نموذج التعايش ونظهره للمجتمع، ونفتح الأبواب للقبائل الثانية بأسوان وللمؤسسات الثانية.
وهكذا نحن نعطي مثلاً للمجتمع، فنحن نعيش حالة التعايش هذه ونحاول أن نتخطى ونكون منفتحين، وتكون فرصة عظيمة حتى نقوم بعملية استدامة لهذا المجتمع الذي نحن بهذه الشراكة ندرب متطوعين من داخل المجتمع ينتمون لهذه المؤسسات ويتعرفون عليها، ويزداد عدد المتطوعين فيها، الناس التي عندها فكرة عن أنشطة السلام داخل هذا المجتمع عددها كبير، ونوصل رسالة للمجتمع والأطفال بشكل غير مباشر من خلال الأنشطة والورشات، رسالة ضمنية يرى أننا كمسؤولين عن الورشة وشركاء بها، مختلفين لكن أفدنا هذا المجتمع بأعداد من المتطوعين وأعضاء إدارة مجالس الجمعيات والهيئات، وهكذا زاد اهتمامهم ووعيهم بدعم عملية السلام والتعددية.
وحول اختيار الشركاء في المشروع ودورهم فيه يقول الأستاذ سامح:
المبدأ الأول في اختيار الشركاء يخصنا نحن كمركز الإبراهيمية للإعلام، وهو أن نكون منفتحين، وفاتحين قلوبنا وعقولنا، وقبل أن نكون منفتحين ادارياً وفنياً وهكذا، نحن نتعاون مع الجميع. ثانياً نحن نطلب من الشركاء نفس الصفة: الاستعداد للتعاون والإيمان بالفكرة، وليس فقط أن يسجل نشاط، أو أن يقول أنا أزيد انجازاتي وهكذا. ونكون منفتحين على استعدادهم لتقديم خدمة لهذا النموذج لهذه القضية بحدود إمكانيات هذه المؤسسات. ونؤمن بقضية نطلب من الشريك المقابل لنا أن يكون مؤمناً بها، وأن نكون منفتحين كشركاء وليس كممول وتابع، أو قائد وتابع، كشركاء نتناقش بكل قضية ونرحب بكل مساهمة، وهذا من ضمن الشروط، إلى جانب مراعاة القدرات الإدارية والفنية للشريك بحيث أنه يقدر يساعدنا بما تحتاج الورشة من أمور لكي يكتمل النموذج والتجربة. على سبيل المثال لو أخذنا نموذج أسوان فالاتحاد النوبي العام استطاع أن يتواصل مع مجموعة الجمعيات النوبية الشريكة فيه، وأن يوفر مجموعة من أبناء القبائل النوبية المتنوعة، ليس مجرد قبيلة أو اثنين، وأن يتواصل مع الجمعيات الموجودة في المناطق ذات الأغلبية العربية، وتواصلنا مع المجموعات الفاعلة داخل القرى ذات الأغلبية المسيحية في أسوان، لكن كانت مشكلة لوجستية في هذا الموضوع حيث لم يتواجد عدد كبير من أطفال المسيحيين، فهذا كان دور الاتحاد النوبي العام إلى جانب الاستضافة وتأمين الأمكنة وهكذا.
جمعية كنوز النوبية كانت هي مفتاحنا لدخول أسوان، هي كانت مسؤولة عن الدعم اللوجستي: المشتريات، والتجهيزات اللازمة، أماكن إقامة لفريق العمل، لقد كانوا بصراحة داعمين جداً، وطبعاً هم كانوا يمثلون مجتمع أسوان فكانوا هم الذين يتواصلون مع القيادات والجهات من المجتمع المدني والجهات الحكومية وغيره.
دورنا نحن كان دوراً فنياً، حيث أن مركز الابراهيمية للإعلام صاحب مبادرة مصر توبيا، فنحن أعددنا المناهج وتدريب المتطوعين والاستشاريين الذين نستخدمهم في هذه العملية، ونحن كنا ندير العملية فنياً ومالياً، وكان معنا واحد من الحسابات والمنسقين الخاصين بمركز الابراهيمية للإعلام بالتعاون معهم لأنهم كانوا يساعدونا في فهم كيف تسير الأمور داخل مجتمع أسوان.
ثم يتحدث الأستاذ سامح عن الصعوبات التي واجهتهم أثناء تنفيذ هذا المشروع، فيقول:
هذه التجربة كانت بأعقاب حادث طائفي عنيف ما بين القبائل النوبية والعربية، كنا متخوفين جداً من حدوث احتكاك أو غيره، لأن أي شيء يحصل بين الأطفال نتيجة الصدفة أو خطأ غير مقصود أو أي كان تكون تبعيته كبيرة، وهذا كان من التحديات الكبيرة، وما أنجح بيئة ورشة مصر توبيا ووعي القائمين عليها ومجهودات المتطوعين فيها، أن نحن نوفر للأطفال بيئة سلمية وبيئة آمنه تجعلهم يخرجون من أجواء الاستقطاب والعنف إلى الانفتاح بينهم وبين بعضهم. وطبعاً لم نحاول أن نضغط بشكل كبير على المشاركة بعدد معين أو شكل معين لأولاد القبائل العربية، حتى يشعروا أنهم مرحب بهم، و بالكيفية التي يحبونها.
وكان من ضمن التحديات التي واجهتنا هو عدم نضج العقليات من ناحية الجندر وتواجد الجنسين سوياً في ورش العمل، وحسب المستوى الاقتصادي للعائلات والتعليمي، والفرق ما بين أناس قادمين من اسكندرية والقاهرة، أو مدن محافظة في جنوب مصر مثل أسوان، وكيف نراعي العادات والتقاليد الموجودة في هذه البيئة، بحيث نراعيها فعلاً ونكون بالوقت نفسه نحرص على المساواة بين الجنسين والمشاركة في إطار تقبله هذه الأسر، ولا يغيبنا نحن على المجهود المطلوب مننا في هذه القضية، وهذا كان من ضمن التحديات. أما ما تبقى فهي أعباء عمل عادية أصبحنا متمرسين عليها.
أما عن التأثير الفكري الذي تركه المشروع على آلية عمل مركز الإبراهيمية فيقول:
التأثير لم يشمل فقط مركز الابراهيمية للإعلام وإنما شمل تقريباً كل الشركاء معنا، ولن أقول فقط ذهبنا لنعلم الأطفال، لكن فعلاً نحن ومصر توبيا عملنا على كل المستويات، كأفراد وكمؤسسات والأطفال وأهلهم، ويمكن لو بدأت من المؤسسات فأحب أن أقول أن نجاح نموذج التعددية أعطانا ثقة جداً بأننا نفتح قلوبنا قبل أن نفتح أبواب التعاون، ونحن ممكن نكتشف بأن التعاون ممكناً، وليس من الضروري أن تكون المؤسسة التي نتعامل معها إحدى مؤسسات الكنيسة الانجيلية أو احدى الكنائس الأخرى ضمن الاطار المسيحي، فنحن من الممكن أن نتعاون مع مؤسسات يقودها أشخاص من ديانات أخرى، ويمكن أن نتعاون مع ثقافات مختلفة كالثقافة النوبية، أو ثقافة محافظة اسون التي هي جزء منها أيضاً ثقافة نوبية، وهي تختلف قليلاً عن المتعودين عليه كإسكندريين من شمال مصر، ومن البحر المتوسط بشكل أكبر، وأصبح لدينا ثقة في نجاح هذه الشراكات، الثقة هذه حتى انعكست بمشاريع أخرى غير مصر توبيا داخل مركز الابراهيمية للإعلام، وانفتحنا على المجالات الحكومية بشكل أكبر، وتعاونا بمشاريع مع المركز القومي للمرأة، مع الأزهر بمشاريع تخص العنف الأسري ضد المرأة، فالثقة التي أخذناها من هذا النموذج وتكراره، وأنا أحب أن أشيد بالتكرار، كان في نموذج بالمنيا وتعاونا فيه مرتين مع مكتبة مصر العامة، ونموذج آخر كان في بني سويف، وبني سويف نحن اشتغلنا مع بني سويف السلطة المحلية في بني سويف محافظة بني سويف شخصياً، واشتغلنا مع مصر توبيا مبادرة أخرى تخص السلام، وكل هذا كان من أننا كنا نتأمل كيف كنا نحن والآخر المختلف ثم تعاونا ونجحنا، وهذا شجعنا على مزيد التعاون، وأصبحنا مدركين أن الشراكة تكمل المجهودات وتخفض التكاليف، فالاتحاد النوبي العام لما أتاح لنا المكان، أتاحه بسعر وفر علينا نفقات كبيرة لو أنا كنت قد استأجرت مكان من أي أحد كنت سأدفع أكثر من ذلك بكثير.