"لم يبقَ لدي أيّة انتماءات وفقدت التعصب لانتمائي السابق"
تخبرنا سمر اليوسف (40 سنة) من سوريا، والتي تقيم في دمشق، عن تعريف هويتها بشكل عام قائلة:
لست متديّنة، ولم أعد مؤمنة بأيّ دين، وهذا نتيجة تجربة عائلية قاسية، ورغم ذلك تربيت على نشأة دينية سنية ملتزمة كثيراً، وكان أبناء عمي من العلويين.
وتضيف سمر:
أخبرني جدي أن أصل العائلة هو من قرية علويّة تسمّى "دباش"، وهي تتبع لريف منطقة القرداحة، في محافظة اللاذقية، ومنذ حوالي 150سنة، انتقلت العائلة إلى قرية اسمها "مشرفة كحلة"، وهي تتبع لمنطقة صافيتا، في محافظة طرطوس، وبعد عشرين سنة تقريباً، انتقلوا إلى قرية في ريف مصياف اسمها "بشنين"، في محافظة حماة، وهناك توزعوا بين العشائر العلويّة والبعض منهم أصبح لاحقاً من المراشدة (من المذهب المرشدي)، ونتيجة الخلاف والتشتت ضمن العائلة هاجر أحد أجدادي إلى قرية تقع على نهر العاصي قرب سد الرستن، اسمها "حربنفسه".
وتروي سمر على لسان جدها قصة انتقال العائلة جغرافياً إلى مناطق مختلفة عن انتمائها الديني قائلة:
عاش والد جدي في تلك القرية، فلاحاً، مثله مثل بقية الفلاحين، اكتسب عاداتهم وتقاليدهم وعاش كأنه واحد منهم، لكن، بقي انتماؤه العلوي بينه وبين نفسه في هذه القرية، إلى أن حصل خلاف بينه وبين أحد أبناء القرية حول زواج أخته، فأخذ أخته وعائلته وانتقلوا إلى قرية في ريف حمص قرب "جبوربن" وعاشوا هناك فترة من الزمن.
وتشير سمر أن سبب تنقلات العائلة المتكررة من القرداحة إلى صافيتا ثم مصياف هو أن ريف القرداحة يعاني من الفقر، ولا يوجد فيه سبل حياة كافية، تقول:
كانت العائلات تنتقل بشكل طبيعي إلى مناطق أخرى، وبالنسبة لنا، انتقلنا إلى ريف صافيتا، إلى قرية "مشرفة كحلة"، وهي قرية مناخها أفضل وفيها زراعة وافرة، وسبل رزق أكثر، لكن انتقلنا منها لاحقاً، لأن أحد أجدادي دخل في خلاف مع الآغوات هناك فاضطرت العائلة للانتقال إلى ريف مصياف.
وبالنسبة لأثر اختلاف الهويات الثلاث لدى سمر تقول:
لقد نشأت في بيئة محافظة، لا يوجد فيها تعدّد طوائف، ولم أكن أشعر بأي اختلاف عن الناس من حولي أو الأطفال من عمري ولم أسمع في طفولتي ولا مرة عن أي اختلاف في الدين والمذاهب بين الناس. بالنسبة للأقارب، لم يكن أبي يشجعني كي أختلط معهم، وكان يقول لي إنهم بعيدون مشغولون وأنا باعتباري طفلة صدقت ذلك.
أما بالنسبة لأثر الفرق بين الهويات الثلاث على شخصية سمر منذ المراهقة وحتى اليوم، تقول:
عشت بنفس الأسلوب منذ طفولتي، لم يتغير شيء، كنت أكثر التزاما، وأصبحت أؤدي الفروض مع عائلتي، كنت أشاركهم الطقوس، وفي إحدى المرات ذهبت مع المدرسة في رحلة إلى الساحل، ولكن أهلي بداية عارضوا فكرة مشاركتي، وفيما بعد ذهبت، حينها قالت إحدى زميلاتي خلال الرحلة أن أهل هذه المنطقة هم من العلويين، وكنت أسمع هذه الكلمة للمرة الأولى. لم أجد إجابة عند أهلي، فسألت جدي الذي أجاب مستفيضاً عن كل شيء، وحينها علمت أن أصلنا من هناك قبل أن نأتي إلى حمص. أمّا بالنسبة للأقارب، كانت علاقتنا قوية متجاوزة للفروقات بين الهويات الثلاث.
وتشير سمر إلى أن الأحداث في سوريا قد أثرت كثيراً على نظرتها للانتماء حيث قتل والدها بداية العام 2012، تقول:
قتل أبي بطريقة مؤلمة جداً وذلك ترك لدي صدمة كبيرة أثرت على أفكاري وعلى المبادئ التي أعيشها، أصبحت أكثر انفتاحاً، أكثر تقبلاً للمجتمع ولم يبقَ لدي أيّة انتماءات وفقدت التعصب لانتمائي السابق، صرت أشعر بالضياع.
لم تعد سمر تمارس طقوساً من المذهب السابق، حيث تؤكد:
كنا مندمجين كثيرا في الحي الذي نسكنه "باب تدمر" ولم يكن لدينا أي اختلاف من هذه الناحية، كنا مندمجين كثيرا بإصرار من أهلي. وأذكر مرة حين توفي جدي، جاء أقارب أبي ومعهم خروف، يريدون التضحية به، كصدقة، لكن أبي رفض ذلك، الأمر الذي قطع التواصل بيننا! لقد استغربت الإصرار من الطرفين وكيف أخذ كل هذه الأبعاد.
وأخيراً، عن أثر الهويات الثلاث على مجتمع سمر المحيط، تلخص ذلك بالقول:
كان المجتمع بالنسبة لي من لون واحد، وبقيت أمارس كل عاداته وطقوس دون أي مشكلة تذكر.