صالح

احد مقابلات حزمة: ٤٢ عاماً من القمع,
Original Interview Length:
سجلت هذه المقابلة في: منزله في طرابلس
فريق الانتاج:
المواد المتوفرة لهذه المقابلة:

"هُدّمت المحلات وفيها كل البضائع والأموال، شعرنا أننا في غزة أو صبرا وشاتيلا أو جِنين"

كان *صالح يمتلك متجرًا في سوق الثلاثاء الشهير في طرابلس قبل أن تغلقه الحكومة دون سابق إنذار في العام  2009. يقول عن ذلك  “ كانت أربعون ألف أسرة تستفيد من هذا السوق، لم يعطونا أي إشعار أو تعويض”.

لم تكن تلك المرّة الأولى التي يتعرّض فيها صالح لضربة مالية قاسية من النظام. يقول عن وضعه المادي “ كان والدي يتملك الشركات وكنا نعيش في بحبوحة، أتذكّر كيف كان جيراننا يأتون إلى بيتنا لمشاهدة الأفلام الأمريكية عام 1969“.

بعد انقلاب القذافي عام 1969، استمرّت العائلة بالعيش بشكل مريح وازدهرت التجارة، وحتى العام 1973 كان الجميع بخير. يقول عن تسلط القذافي: “كان والدي تاجر مواد بناء، وكان يملك مخزناً كبيراً ومرافق للبيع غير بعيدة عن مجمع باب العزيزية للقذافي.
أراد القذافي الأرض، فقدِم خمسة عشر مسلّحاً من قوات الأمن واستولوا عليها عام 1973،  لم يتركوا لنا سوى الملابس التي كنا نرتديها، حدث هذا مباشرة بعد خطاب زوارة الشائن في شهر نيسان.

في ذلك الوقت كان صالح الذي بلغ الخامسة عشرة من العمر وشقيقه الأكبر يعملان مع والدهما بعد المدرسة .عمل أعمامه أيضاً في التجارة التي وظّفت العديد من العمّال الليبيين والأجانب. يقول  “شاركنا في بناء ليبيا بشكلٍ كبير، كنّا نؤمّن الإسمنت والحديد والخشب وجميع مواد البناء. كانت المرافق التي صودرت دون تفاوض أو تعويض تتكون من 3000 متر مربّع من مرافق التخزين الداخلية والمكاتب،  عندها تحوّل انتباهنا إلى ستة محلات تجارية كان والدي يملكها في سوق الثلاثاء القديم في شارع المعرّي حيث كان انطلاقه في عمله منها “.

خوفاً من قانون العام 1979 الذي شهد أعمال المصادرة والتأميم، تقدّمت عائلة صالح بطلب للحصول على رخصة تصنيع وبدأت بإنتاج وبيع الخيام وفرش السيارات. يتحدث صالح عن ذلك: “كنا نمتلك أيضاً محلين تجاريين في سوق الثلاثاء الجديد، حوّلناهما إلى كراجات لخدمة السيارات وبيع قطع الغيار” .

صودرت المحلات الستة في شارع المعري في العام1993  والآن بعد عشرين عاماً ما زالت عينا صالح تغرورقان بالدموع عندما يروي قصة ذلك اليوم الذي أعطاهم فيه رئيس مجلس طرابلس مهلة ثلاثة أيام لإخلاء المحلات التجارية المئة التي كانت موجودة في ذلك الشارع .

يقول بأسى “في الحقيقة، شعرنا في ذلك اليوم أننا لم نكن ليبيين، فقد كان ذلك ظلماً فادحاً وكانت الإساءة كبيرة، كنّا نعيش حياة جيّدة بفضل قوّتنا وعملنا الشاق، ومن دون أي مساعدة من الحكومة، أخذوا كل ذلك منّا“ .

ألقى الوالد بنفسه على الأرض في متجره احتجاجاً. يتألم صالح حين يتذكر والده الذي أصيب بالمرض بعد تلك الحادثة قائلاً “كان عبد السلام الزادمه رجلاً حاقداً يلبّي طلبات القذافي، وعندما رأى احتجاج والدي، قصّر مهلة التسليم إلى 24 ساعة “.

استأجرت العائلة السيّارات وأفرغت جميع المعدّات والمواد من المحلات التجارية الستة، ولحقت الأضرار بنصفها وهم ينقلونها إلى مزرعتهم . يقول صالح: “توفي والدي بعد ثلاث سنوات وحلّت بنا الكثير من المآسي،  كنا نرغب في بناء ليبيا، وكان ينبغي أن تكون واحدة من البلدان الأكثر تطوّراً نظرًا لموقعها الجغرافي وثروتها “.

وحتى يومنا هذا، ما تزال المحلات التجارية الستة التي قاموا بمصادرتها في العام 1993 كما كانت آنذاك، لم يستخدمها أحد. يؤكد ذلك بقوله: “لم تستفد الحكومة منها، ولم تسمح لنا بالإستفادة“.

واصل صالح العمل خارج الوحدتين اللتين كانوا يملكونهما في سوق الثلاثاء الجديد، حتى العام  2009. يقول “حدث معي ما حدث لأبي تماماً، الجناة أنفسهم لكن المسؤول هذه المرّة كان بغدادي المحمودي، لم يتغيّر سوى الزمان والمكان”.

هدد أفراد النظام على مدى السنوات القليلة الماضية بهدم سوق الثلاثاء، لكن أصحاب المحلات كانوا يقاومون ويفاوضون؛ حتى صدموا بعد ظهر أحد أيّام الجمعة بالجرّافات تهدم المحلات التجارية. يقول صالح “كانت جميع البضائع والأموال لا تزال في المحلات، شعرنا أننا في غزة أو صبرا وشاتيلا أو جِنين”.

لم يكسب صالح أي أموال منذ العام 2009،  لأنه لم يتمكّن من العثور على عمل ولم يتلقّ أي تعويض أو دعم من الحكومة. وبالإضافة إلى خسارته لأحلام وطموحات طفولته وفرصته لكسب التعليم والدخل، خسر ثلاثة عشر عاماً من حياته في خدمة القوات المسلّحة الليبية.

يقول عن انضمامه إليها “انضممت إلى القوّات المسلّحة في العام 1980، كانت سنوات الخدمة العسكرية إلزامية حينها، وخدمت ثلاثة عشر عاماً. وما بين الذهاب والإياب، قضيت ثلاث سنوات في تشاد، حيث كنت أرى أصدقائي يموتون من حولي في الحرب التي لم تخدم الليبيين.”

“لا يمكن أن يكون القذافي ليبياً ولا أباً لليبيين، لا يعامل الأب أولاده بهذه الطريقة،  يستحيل أن يكون كذلك“.

تم استخدام اسم مستعار للراوي بناءً على طلبه *