السيد عبد الله جبور من مركز المواطنة الفاعلة والتنوع في الأردن، يتحدث حول مضامين وهدف برنامج المواطنة وإدارة التنوع، المنفذ خلال عام 2020، فيقول:
هو برنامج مخصص لبناء قدرات مؤسسات المجتمع المدني، بالإضافة إلى المبادرات الشبابيّة. ويهدف إلى تكريس قيم المواطنة والتعددية والتنوع في البرامج والأنشطة التي تقدمها هذه الجهات للمستفيدين في مجتمعاتهم.
وهو يسعى لتحقيق ثلاث انتقالات مهمّة: أولاً، انتقال معرفي من الخلاف الديني الى الاختلاف في السياق الديني. ثانياً، الانتقال من التعايش إلى العيش معاً، وهذا انتقال اجرائي وثقافي للتعددية. ثالثاً، الانتقال من معرفة الآخر الى الاعتراف بالآخر المختلف، أيضاً هذا انتقال مرتبط بالثقافة وبالممارسة لمؤسسات المجتمع المدني.
ويضيف جبور:
البرنامج يتكون من مجموعة مساقات: الأول، مرتبط بالتنوع الديني والثقافي في المنطقة العربية أو الناطقة بالعربية. الثاني، مرتبط بكيفية مواجهة ومعالجة الكراهية في الإعلام الرقمي. الثالث، مرتبط بكيفية إقامة وتنفيذ برامج ونشاطات من قبل مؤسسات المجتمع المدني، تتعلق بالتنوع والتعددية والمواطنة الحاضنة للتنوع والاختلاف في المنطقة الناطقة العربية.
وحول أهمية المشاركة ضمن مشروع تعاون تعددي، يقول:
التشاركية مع أصحاب المصلحة مهمة جداً لتبادل التجارب والخبرات، وتقييم الجهود المبذولة. خصوصاً أن البرنامج يعمل على تعزيز التنوع والعيش المشترك، وهذا الأمر يتطلب تواجد خبرات متنوعة تمثل خارطة التنوع في المنطقة العربية.
وعن إمكانية تحقيق برامج مستدامة، يقول:
إن برنامج "المواطنة وإدارة التنوع" الذي نقوم بتنفيذه في مركزنا، هو من البرامج المستدامة، أي أنه غير مرتبط بجهة شريكة أو غير مرتبط بممول، نحن وضعنا كبرنامج ضمن استراتيجية المركز ليكون برنامج مستدام، وحتى لو لم يكن هناك ممولين أو شركاء فإن البرنامج يبقى مستمراً، ونحن نعمل لتنفيذ أنشطته ونهجه والقيام بمسؤلياته تجاه مؤسسات المجتمع المدني، خصوصاً في المناطق التي يتواجد فيها تنوع واختلاف ثقافي ديني كبير، ويمكن للبرنامج مساعدة هذه المؤسسات في تطوير خطابها وبرامجها وأنشطتها من خلال غرس قيم التنوع والتعددية في هذه الأنشطة.
أما عن آلية اختيار الشركاء في تنفيذ المشاريع، ودور كل منهم فيقول عبد الله:
نحن نعمل مع الشباب والمرأة، هذان المكونان الاجتماعيان يعنيان لنا في مركز المواطنة حجر الأساس في تنفيذ برامجنا باختلافها. وقد بدأنا مع مكتب اليونسكو في باريس ومكتب اليونسكو في عمان من خلال اهتمامنا بالمواطنة والشباب ومواجهة التطرف. مركزنا عضو في برنامج إقليمي مع اليونسكو يعمل لدرء التطرف العنيف في أكثر من منطقة (تونس، لبنان، الأردن). وقد طورنا برنامجاً تدريبياً يتعلق بالمواطنة ومعالجة التطرف، ومن ثم لاحقاً تعرفنا على مؤسسة "أديان" وتم التعاون معها في لبنان. وحصلنا على برنامج متخصص في المواطنة الحاضنة للتنوع. إن مؤسسة "أديان" من أهم المؤسسات في المنطقة العربية، تعمل على تعزيز ثقافة التنوع وقيم التعددية لدى مؤسسات المجتمع المدني، ولدى أصحاب المصلحة. وعبر هذه المؤسسة، طورنا مناهجنا وأدواتنا وتعرفنا على تجارب وخبرات متنوعة، تعرفنا على خارطة التنوع في المنطقة العربية، طورنا برنامجنا للمواطنة وأضفنا له أدوات ومكونات معرفية تتعلق بالعقد الاجتماعي، وتتعلق بالاختلاف بمعرفة الآخر، ومحو الأمية الدينية: أي التعرّف على الثقافة الدينية في المنطقة لأنه يتعلق أساسيا بالمواطنة.
ويضيف جبور:
بعدها تعاونا مع معهد الإعلام الأردني، لأن جزءاً أساسياً من عملنا يرتبط بمعالجة خطاب الكراهية والتطرف، ولأن الإعلام في المشهد الحالي يعيش حالة فوضى إعلامية، فوضى في المعلوماتية، فلا بد من التعاون مع مؤسسة متخصصة بالإعلام وإدارة المحتوى، وكيفية تجنب خطاب الكراهية وكيفية التعامل مع الصور النمطية، وصناعة محتوى إعلامي رقمي يحترم قيم التعددية والكرامة الإنسانية، محتوى إعلامي حاضن للتنوع، ويواجه الفوضى الإعلامية، يتعامل مع الصيغ، ويغرس قيم التفكير الناقد.
بالتعاون مع المؤسسات الثلاث هذه طورنا برامجنا وأدواتنا للتعامل مع برنامجنا الأساسي المواطنة وإدارة التنوع. ومن خلال هذا التعاون طورنا أدواتنا ونفذنا برامجاً مع مؤسسات عديدة منها: جمعية بيت النجاح اليمني، وعقدنا مجموعة من الأنشطة معهم، منها: حول التنوع الثقافي والديني، وهو أنشطة وجلسات حوارية حول كيفية مواجهة خطاب الكراهية والتعامل مع المختلف، ومع التعددية الدينية، وبما أن جمعية بيت النجاح اليمني حديثة فكان من الضروري أن نعمل معه على بناء قدرات المتطوعين فيها، للحصول على أدوات مهاراتية على كيفية بناء قدرات شباب آخرين على برنامج المواطنة وإدارة التنوع.
ثم يتطرق جبور لموضوع الصعوبات التي واجهتهم خلال التعاون مع الجهات الأخرى، فيقول:
بالنسبة للصعوبات التي تتعلق بتنفيذ تعاوننا مع بيت النجاح اليمني، أو مع المؤسسات الأخرى، لم تكن هناك صعوبات كبيرة سوى صعوبات إجرائية بسيطة تتعلق بفرق التوقيت في المنطقة المغاربية، وفرق اللهجات والعطل فهي تختلف عنها المشرق. وهذه الصعوبات حولناها إلى فرصة فقد استفدنا من التنوع الموجود وطورنا بعض الأدوات، فكنا نستخدم مصطلح العالم العربي وحولناه وطورناه إلى المنطقة العربية، هذه المفردة لا يحبذها المكون الأمازيغي في المغرب، والبعض في لبنان والأردن، ومن خلال التعاون مع بيئات مختلفة ساعدتنا في تطوير مصطلحاتنا، وبعض الجزئيات في برنامج التدريب وفي خطابنا، وهذا زاد في ثقافتنا المرتبطة بالتنوع وكيفية التعرف على الآخر المختلف.
ومن الصعوبات أحياناً، إشكالية التمويل، نحن نفذنا البرنامج لصالح البيت اليمني بالتشاركية، فالتمويل الذي كان يقدم لبرنامجنا لم يكن تمويلاً مادياً كان تمويلا للشراكة في سبيل تنفيذ أنشطة مشتركة لبناء قدرات فريقنا "فريق العمل"، فعلى سبيل المثال: معهد الإعلام الأردني تبنى بناء قدرات فريق العمل لدينا، ومنظمة اليونسكو ساعدتنا في تنفيذ بعض الأنشطة الميدانية، وتحملت بعض الأجزاء اللوجستية، أيضاً مؤسسة "أديان" في لبنان كان لها دور كبير جداً في بناء قدرات فريقنا وتطوير منهجنا التدريبي.
أما عن إيجابيات وسلبيات التعاون المتعدد بين جهات متنوعة الانتماء الديني/ العرقي؟ فيقول عن ذلك:
الجزء الثاني من اسم برنامجنا هو إدارة التنوع، ويتحقق من خلال تعاملنا مع أشخاص مختلفي الاتجاه الثقافي والديني. وقد ساعدنا هذا في إدارة التنوع، وفي كيفية طرح الأسئلة على المكونات المختلفة، وهذا الشيء أعطانا نوعين من الإيجابيات: إيجابيات تتعلق بالأفراد القائمين على هذا البرنامج على المستوى الثقافي، حيث تعرفوا إجرائياً على أشخاص وعلى جهات كانوا لا يعرفونهم إلا على الورق، تعرفوا على ثقافتهم، وتبادلوا معهم الأفكار والتجارب والخصوصية. وفي السياق الثقافي والديني أيضاً ساهم وساعد في تطوير برنامجنا، وهذا الشيء على المستوى الفردي، أما على مستوى المؤسسة فأضاف كثيراً للبرنامج ولمنهجيته.
أما السلبيات فكان منها:
إن عدداً كبيراً من مؤسسات المجتمع المدني في المنطقة العربية، ما زال لديه أميّة دينية، فلا يعرف الآخر المختلف عنه ثقافياً ودينياً، مما يصنع حواجزاً أمامنا، أحياناً، أثناء عملية تنفيذ بعض الأنشطة، ولكن لاحقاً تغلبنا عليها.
ثم تحدث جبور عن مدى التأثير الفكري وإضافة معلومات جديدة، واكتساب المهارات من تجربة التعاون المتعدد بعد تنفيذ مشروعهم مع البيت اليمني على كافة المستويات، قائلاً:
حقيقة منذ أن بدأت أنفذ هذا البرنامج أصبح لدي اهتمام كبير بموضوع الهوية المتعددة الانتماءات، فتجربتي في المنطقة المغاربية وفي المشرق وأيضاً مع الشباب اليمنيين صنع لدي اهتماماً في القراءات لتحليل الهوية العربية والهوية المتعددة الانتماءات، فاتضح لدي أن لدينا إشكالية في الهوية، وهذه الإشكالية لها دور في إدارة التعامل مع الآخر، سواء الآخر الذي يشبهنا أو الآخر الذي يختلف عنا.
وعلى المستوى الشخصي تعرفت إجرائياً عن قرب على ثقافات لم أكن أعرفها، وتعرفت على خصوصيتها، مما غرس لدي ثقافة الاختلاف أكثر، وكانت هناك بعض الإشكاليات المرتبطة بالخلاف، نقلني هذا البرنامج إلى التعرف إلى الاختلافات الخاصة، وبالتالي تعززت لدي ثقافة القيم المرتبطة بالكرامة الإنسانية، وبالتالي أصبح لدي اهتمام أكثر بالجانب البحثي وكتابة المقالات. ومن خلال هذا البرنامج أصبحت كاتباً في منصة مهمة جداً في المنطقة ومشهورة اسمها: "منصة التعددية"، وهي منصة تتعلق بالتنوع الثقافي والديني، وتساهم في تقديم محتوى إعلامي مرتبط بالتعددية في منطقتنا العربية، وبذلك أصبح لدي اهتمام بحثي واهتمام في صناعة المحتوى المرتبط بالتنوع الثقافي والديني في سياق التعددية الدينية تحديداً
يختم السيد عبد الله حديثه بالتطرق إلى مدى تغير آلية عمل المركز بعد تجربة التعاون مع الآخر المختلف، فيقول:
كان ذلك إغناءً معرفياً مهماً جداً. نحن كمؤسسة مجتمع مدني نعمل على أكثر من جهة، فقد زُرع فينا ثقافة مهمة نقلناها إلى برامج أخرى، عندما نتحدث عن الشباب والمشاركة السياسية أصبح لدينا غرس لقيم التعددية، وبالتالي أصبح شيئاً مهماً ضمن برامجنا التعددية السياسية. التنوع واحترام الآخر المختلف، الحريات السياسية، وأدخلنا الاختلاف السياسي في برامجنا، وأصبحنا نغرس قيم المواطنة وقيم التعددية والإنسانية التي اكتسبناها من خلال البرنامج، والتي اكتسبناها على المستوى العربي في برامجنا الأخرى المرتبطة بالمرأة والشباب، وبالتالي أصبح لدينا نوع من تشارك أو تبادل أو تبني أفكار المواطنة والتنوع والتعددية مع بقية البرامج الأخرى، التي نوظفها في خدمة الصالح العام والأخلاق والكرامة الإنسانية.