عبد الله حسين

احد مقابلات حزمة: قصص عن الانتماء,
Original Interview Length:
سجلت هذه المقابلة في: روما, إيطاليا
فريق الانتاج:
المواد المتوفرة لهذه المقابلة:

اسمي عبد الله حسين، عمري 34 سنة، سوري مقيم في إيطاليا. وصلت عام 2019 إلى العاصمة روما، ومن حينها وأنا مقيم فيها. في سوريا إضافة إلى دراستي، ساعدت والدي في تجارة السيارات، لم يكن عملاً حقيقياً أو دائماً، إنما كان مجرد وقت أقضيه مثل أوقات الفراغ. انتقلت عام 2012 إلى لبنان نتيجة الأحداث التي كان تتصاعد في مدينتي حمص. وبدأت العمل مع عدة وكالات ومنظمات دولية ومحلية بقطاعات مثل: الإحصاء والإغاثة، بعدها انتقلت إلى قطاع التنمية وتحديداً العمل في التمكين السياسي والاجتماعي. باكورة كل هذا العمل كانت مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين كمتطوع، بعد ذلك انتقلت للعمل مع "أوكسفام- إيطاليا" و "ريليف انترناشونال"، بعدها انتقلت للعمل مع "إي إي دي" وهي منظمة بلجيكية بالشراكة مع مؤسسة محلية، وبالنهاية قبل خروجي من لبنان اشتغلت في مشروع صغير مع منظمة "وورك فيجين" كمشرف على الدعم النفسي والتمكين للأطفال في مخيمات البقاع، وعملت أيضاً منشط جلسات للأطفال المتواجدين في الشوارع.

حالياً أنا في إيطاليا لا اعمل كوني أتعلم اللغة الإيطالية وتقريباً على وشك الانتهاء من المرحلة الثانية من اللغة. وصلت إلى إيطاليا من خلال معرفتي بـ "بريتسيوني كولومبا" وهي منظمة إنسانية، فيها مجموعة من المتطوعين الإيطاليين قرروا أن يعيشوا مع الناس، وأخذوا على عاتقهم مساعدة اللاجئين من خلال سماع قصصهم ومرافقتهم للمشافي، ومرافقة العائلات خلال عبور نقاط التفتيش، كانوا معهم في كل أماكن الخوف، في كل مكان يستدعي أن يخاف الإنسان فيه أو يجبره على الخوف، عدا عن سكنهم الدائم في شمال لبنان ضمن أحد الخيم مثلهم مثل اللاجئين في مخيماتهم، فهم يأكلون مثلهم ويسهرون معهم، ويشاركوهم أفراحهم وأتراحهم، ويغرقون مثلهم عندما تتساقط أمطار قوية، ويعانون من الحرارة بالصيف مثلهم.

تعرفت عليهم عن طريق صديق وهم الجهة الوحيدة التي تفاعلت مع ظروفي، على الرغم من عملي الكثير في وكالات ومنها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لكن ذلك لم يشفع لي أن يساعدوني حتى أحصل على الحماية. أغلقت كل الأبواب بوجهي، ووجدت نفسي قريباً من هذه المنظمة، كنت أساعدهم لأكون مرآة للوضع ويشاهدوا من خلالي وضع الناس أراء الناس بحكم علاقاتي وبحكم معارفي. شيئاً فشيئاً أصبحت صديقاً لأغلب المتطوعين، كنت أحضر معهم وكانوا يحضرون معي في كل التجمعات والمؤتمرات، أصبح لدي علاقة جيدة مع أصدقاء مشتركين منهم باحثين وصحفيين وتستمر هذه العلاقة إلى الآن.

وفي العام 2019 رشحوا ملفي كي أحصل على الحماية من السفارة الإيطالية، وهذا ما حدث فعلاً. وصلت إيطاليا ووجدت من يستقبلني، وضعوا أغراضي في السيارة وأوصلوني إلى البيت ودلّوني على غرفتي، قالوا لي: أهلاً وسهلاً بك. لحد تلك اللحظة كنت أعيش في صدمة، ما الذي يحدث؟ من هؤلاء؟ أنا لا أعرفهم! "الكزالة" هو البيت الذي أعيش فيه حالياً، هكذا تسميه العائلات والمنظمات التي تعيش في منزل كبير. لا أخفيكم أن بداية معرفتي بأحد الأفلام السورية الذي هو "لأجل سما" كان عن طريقهم، دعوني إلى السينما، وذهبت وإياهم، وشاهدنا الفيلم معاً.

أنا الآن أعيش حياة لجوء، أحاول أن أخرج كل شيء جميل لدي، لكني كنت أنتظر أن أعيش حياة فيها شروط جيدة لأفعل ذلك، لأننا نحن دائماً نعلم أن الشيء الصعب يخرج من داخلك، ولكن إذا كانت الظروف مناسبة يخرج الشيء الجميل. هنا الناس لا تعرفني، لكنهم يعلمون أنه ثمة شاب إذا تم استثماره بطريقة صحيحة، سيكون من الممكن أن يحقق شيء. آمنت بالعمل منذ أول يوم، العمل هنا هو الذي ينفع، يجب أن أفعل شيئاً، أتعلم لغة، أفهم طبيعة البلد وناسها وثقافتها، وهكذا اغتنمت جميع الفرص الجميلة وتفاعلت مع المجتمع، أحزن لحزنهم وأفرح لفرحهم، عليّ واجبات ولي حقوق على الرغم من كوني سوري، إنما أحاول أن أفهم ثقافة هذه البلد.

لا أزال في الوقت نفسه أعمل مع "كولومبا"، قبل الحجر الصحي اجتمعت بهم ثلاث مرات في مكتبهم في شمال إيطاليا، وبعد الحجر الصحي انتقلنا للعمل أونلاين، لا أشعر أنني أفعل شيئاً عظيماً جداً ولكن على الأقل أشعر أن لدي انتماء لهذه الأرواح الموجود. لدي الكثير من الأصدقاء الإيطاليين، الكل يسأل عني وأنا أسأل عن الكل ونتواصل بشكل يومي. اخترت إيطاليا بسبب التقارب الاجتماعي، البلد متوسطي وثقافته متوسطية، وتأكدت لي هذه الفكرة عندما وصلت إلى هنا وعاشرت الناس أكثر، وأتذكر بعد ما وصلت جاءت ضيفة ألمانية إلى هنا وتعرفت عليها، فسألتني أحد الأسئلة: أنت من أين؟

قلت لها: أنا من سوريا.

فردت عليّ فوراً: لماذا لم تذهب إلى ألمانيا؟

قلت لها: ببساطة في ألمانيا لا أستطيع أن أعيش هناك كما أعيش هنا، أنا مكاني هنا وإذا ذهبت سوف أموت اجتماعياً. طبعاً لم تتفاجأ بالجواب، لأنها تعرف ماذا أقصد أنا، وهنا أنا أقول إن الأكثر انتماءً للمكان هم الذين لا يملكون شيئاً، أنا ليس لدي أي ملكية هنا، أنا عندي فقط معارف وأصدقاء وأحباب وهؤلاء بالنسبة لي هم الانتماء الحالي.

أنا عبد الله حسين وهذه قصتي.