عدي أتاسي

احد مقابلات حزمة: التعايش السلمي في المهجر,
Original Interview Length:
سجلت هذه المقابلة في: قبرص
فريق الانتاج:
المواد المتوفرة لهذه المقابلة:

منذ تخرّج من كلية الفنون الجميلة بدمشق منتصف الثمانينات والسوري عدي أتاسي (56 عاماً) كان قد حسم أمره بالهجرة من سورية، يقول: "تغّول السلطة الأمنية في سورية بعد أحداث الإخوان، صار رجل الأمن يمثل السلطة الكبرى في البلد". كانت صدفة لقائه بزوجته السابقة من أصول قبرصية كفرصة. يروي أنه كان يعمل في فندق أثناء الدراسة الجامعية: "وتعرفت إلى زوجتي التي كانت تعمل في مجلة فلسطينية يسارية تصدر في قبرص اسمها الحرية، كانت المجلة ممنوعة في سورية، لذلك كانوا يرسلون زوجتي إلى سورية كسكرتيرة لجلب المواد المكتوبة، صار بيننا علاقة حب، وكانت فرصة لي أيضاً للخروج من البلد".

ويعتبر عدي أن التمييز العنصري الذي كان قد صادفه عند وصوله إلى قبرص عام 1987، كان تميزاً "لجهة الدين أولاً ثم لجهة اعتبار كل مسلم تركي"، ما دفعه بداية إلى التفكير بالمغادرة لشدة تعرضه لمواقف من ذاك الاعتبار الديني، ولكنه كان "قادماً بواسطة جواز السفر المؤقت لم يكن بمقدوري مغادرة الجزيرة حتى وصلت إلى حال أشبه بكوني مسجون من دون سجن"، على حد وصفه. 

حاول عدي بالبداية التفكير بترك قبرص! لكنه لا يملك جواز سفر سوري، بسبب عدم تأدية الخدمة العسكرية الاجبارية في سورية كونه طالب، كان يريد السفر مع زوجته القبرصية إلى كندا كلاجئ سياسي ولكن أهل زوجته اقترحوا عليه أن "يذهب إلى الكنيسة من أجل التعمّد، هكذا يمكن أن يساعدوك هنا في الكنيسة لإعطائك جواز سفر بشكل أسرع، رفضتُ الأمر تماماً، وقلت لهم بأي منطق سأغير جلدي من أجل استصدار جواز سفر"، بحسب تعبيره. ولكن بعد 17 سنة حصل عدي على الجنسية القبرصية، رغم أنه يجب أن يحصل عليها بعد خمس سنوات من الزواج بقبرصية حسب القانون. 

لم يكن عدي بداية يتكلم اليونانية، لكنه تعلم اللغة الإنكليزية بسبب عمله في معمل مفروشات وصادف صديقاً إنكليزياً، يقول: "كان زميلي في العمل بريطاني الجنسية ومتزوج من قبرصية أيضاً، كانت علاقتي به أقوى من العلاقة مع أي شخص آخر في المعمل، تحسّنت لغتي الانجليزية بشكل ممتاز بسبب التواصل معه". لم تخدم اللغة الإنكليزية عدي بالاندماج بالمجتمع القبرصي بشكل متوازن، إذ يقول: "أدركتُ أن اللغة الانجليزية لا تكفي وحدها للاندماج في المجتمع، ستبقيني أجنبياً عن البلد، فقررتُ الذهاب إلى مدرسة محو الأمية للغة اليونانية، وبدأت لغتي بالتحسن مع الوقت وبمساعدة طليقتي، ففي حال لم أتعلم اللغة من الصعب عليّ دخول المجتمع بكل عناصره". 

يرى عدي أن القبارصة منذ منتصف الثمانينات كان "لديهم حساسية كبيرة تجاه الدين، فبالنسبة للعقل الجمعي القبرصي المسلم هو تركي، أو يحب الأتراك أو لديه علاقة بالأتراك أو يتعاطف معهم، واكتشفتُ لاحقاً أن هذا موجود حتى لدى المثقفين للأسف، ربما كان هذا السبب أني مسلم".

ومع قدوم المولود الأول لعدي، شعر أن جذوره بدأت بالظهور في هذه الجزيرة، يقول: "كسرتُ حاجز الدخول في المجتمع القبرصي المغلق"، ولكنه كان يحمل في مخيلته ألماً عربياً من اللغة والهوية وما تعرض له وعاشه في شبابه: "كنت أكره كل شيء له علاقة بالعربي، اللغة والعادات والتقاليد، شعرت برغبتي بالخروج من هذا الجلد العربي في تلك الفترة، يسألونني لماذا لم تعلم أولادك العربية؟ فأقول لهم لماذا عليّ تعليمهم العربية؟ لكن لم أشعر بانتمائي العربي السوري إلا عام 2011" ويقصد هنا بداية الأحداث في السورية. 

عمل عدي في الكثير من الشركات التي كانت تشرف على الإخراج الفني و الطباعي للصحف والمطبوعات طيلة سنوات، حيث دخل "مجال الإخراج الصحفي"، يقول: علمني مجموعة من الأصدقاء الذين كانوا يعملون في هذا المجال، وبعد إغلاق المجلات والصحف العربية وجدتُ نفسي في مجال "جرافيك ديزاين" وبدأت كـمصمم مبتدئ"، ثم توقف عن كل ذلك وتفرّغ للرسم والفن التشكيلي. 

قطع عدي شوطاً كبيراً في فهم المجتمع القبرصي والتعامل معه بعد تمكنه من اللغة والولوج إلى عالمه في الفن التشكيلي، يقول: "كنت مهتماً بارتياد المعارض واللقاءات الثقافية وهكذا بدأت بتكوين شبكة علاقات مع الفنانين القبارصة مع مرور الوقت، طبعاً في البداية اقتصرت علاقاتي على الفنانين الأجانب الموجودين في البلد لأنه كان لدينا همّ مشترك كأجانب أو غرباء عن البلد بغض النظر عن جنسياتنا المتنوعة". 

يعتبر عدي أن بداية الاحتجاجات في سورية عام 2011 دفعته للبدء بنشاط سياسي سوري في قبرص حيث تعرّف على عشرات السوريين، يقول: "خرجنا في مظاهرة تضم خمسة آلاف سوري، كان الأمر مذهلًا، كان صدمة بالنسبة لي، فبدأتُ بالتعرف إلى سوريين من انتماءات مغايرة".

لا يعتقد عدي أن هويته كقبرصي وسوري وعربي بعد انفصاله عن زوجته وأحداث الربيع العربي قد تأثرت كثيراً، حيث يؤكد: "الهوية بالنسبة لي هي بناء شخصي بنيته بيدي، وهي مزيح حيوي بين ثقافتين، أعتبر نفسي محظوظاً جداً لأنه لدي يد في الثقافة العربية وأخرى في الثقافة اليونانية، وأنا مستفيد من الاثنتين، أستمد قوتي الأخلاقية والعاطفية والثقافية والإبداعية من هاتين الثقافتين، بنيتُ بيدي هذا البيت المكون من ثقافتين، وأولادي هم ثمرة المزيج الجميل بين الثقافتين" على حد تعبيره.