عماد أبو أحمد

احد مقابلات حزمة: قصص عن الانتماء,
Original Interview Length:
سجلت هذه المقابلة في: ألمانيا
فريق الانتاج:
المواد المتوفرة لهذه المقابلة:

اسمي عماد أبو أحمد، عمري 28 سنة، ولدت في مدينة حماة، وفي بدايات عام 2011 بدأت بدراسة الأدب الإنكليزي في جامعة حمص، ولكن لسوء الحظ اضطررت لترك البلد قبل التخرج ببضعة أشهر، لأجد نفسي أخوض رحلة لجوء مريرة انتهت بوصولي إلى ألمانيا، البلد التي لم أكن أنوي القدوم إليها، ولكن بسبب الظروف القاسية التي تعرضت لها في دول طريق اللجوء، لم أجد سوى ألمانيا تفتح ذراعيها.

تركت سوريا منتصف عام 2014، ووصلت بعد أربعة أشهر إلى ألمانيا، وكان عمري 22 أو 23 سنة، أعيش هنا منذ خمس سنوات، وبدأت تعلم اللغة الألمانية وانتهيت منها في عام 2018، من يرى ذلك يعتبره وقتاً طويلاً، اللغة الألمانية لغة صعبة، تحتاج لسنوات للتعلم.

عندما جئت إلى هنا، لم أكن قد فكرت كيف سيبدو المجتمع الألماني، وما هي طريقة حياته، كنا بحاجة إلى بلد آمن يحتوينا إلى أن تنتهي الحرب، ولكني بعد ما وصلت بأشهر، وبعد حصولي على الإقامة المؤقتة، بدأت بتعلم اللغة الألمانية، وبدأت الاندماج بالمجتمع، فأصبح لدي بعض الأصدقاء الألمان، هنا بدأت ألحظ أن ثمة فوارق بيننا، فليس من السهل أن تعيش في بلد أوروبي كشرقي قادم من بلد إسلامي، لأن ثمة صراع ثقافي ما بين الغرب والشرق، متمثلاً بأوروبا العلمانية وما بين الشرق متمثلاً بالثقافة الإسلامية.

من الأحداث الغريبة التي حدث معي عندما وصلت إلى ألمانيا، هو أنني كنت في إحدى المرات، ذاهب لمراجعة مكتب الهجرة، وكان ذلك بعد بضعة أشهر من وصولي إلى ألمانيا، كنت لا أزال لا أعرف القوانين والتقاليد...إلخ. عندما وصلت إلى مكتب الموظف هناك، كان ثمة شاب يقف أمام الباب، سألني بالعربية: "شو بدك؟"، فاستغربت ويبدو من لهجته أنه لبناني، فأجبته أريد الورقة الفلانية، فطلب مني الذهاب إلى مكتب آخر للحصول على رقم من أجل الانتظار بالدور، فقمت بفعل ذلك كما قال لي.

انتظرت في الدور ثم دخلت وأنجزت معاملتي وعندما خرجت من المكتب تذكرت أنني يجب أن أفعل شيئاً آخراً، فكنت أهم بالعودة لذات الموظف في المكتب، فأوقفني الموظف اللبناني فعرفته بما أريد، فطلب مني المغادرة مؤكداً أنه لا يمكنني فعل ذلك لأني خسرت دوري، وهنا تفاجأت ولم أكن أعلم ماذا أفعل.

في الحقيقة صحيح أنني لم أكن قد وصلت منذ زمن بعيد إلى ألمانيا، ولكني لم أرَ شخصاً تكلم معي بنفس الطريقة وبلهجة الأمر، فقلت له مجدداً وبشكل عفوي: أريد أن أرى الموظف مرة ثانية، وفجأة ودون سابق إنذار هجّم عليّ ودفعني بقوة إلى الخلف حتى كدت أن أسقط على الأرض. أنا انصدمت لأني بطبيعتي مسالم وهادئ ولا أحب المشاكل، ربما يكون نوع من أنواع الخوف أو الجبن، لست أدري، ربما من الصدمة لم أعد أعرف كيف أتصرف، لم أستوعب ماذا حدث، أنا في ألمانيا البلد المحترم، البلد الذي يحترم حقوق الإنسان، من المستحيل أن يحدث ذلك. ولكن قلت لنفسي ربما تعودوا في الفترة الأخيرة على أن هناك بعض الناس الشرقيين الجدد قد يتصرفون بطريقة فوضوية في مكاتب ومؤسسات الدولة الحكومية، ومن الممكن أنهم وضعوا مثل هذا الشخص اللبناني وأعطوهم بعض الصلاحيات للتصرف بقليل من العنف.

بعد الحادثة نزلت إلى أمام البناء، ودخنت سيجارة ورحت أتأمل وأفكر كيف قطعت بحوراً وسبعة دول بطريقة غير شرعية هارباً، وتركت بلدي التي طوال حياتي والدولة تظلمني فيها ولم تشعرني أبداً أني إنسان، قطعت كل ذلك، كي أصل إلى ألمانيا، ليأتي شخص ابن جلدتي وهكذا أعتبر اللبناني، ويعاملني بهذه الطريقة. جاء شاب عراقي -على ما أظن- وأكد لي أنه رأى ما حدث بيننا وقد استغرب من ردة فعلي، وأشار لي أن أتصل بالشرطة وهذا يعتبر تعدي عليك لأنني شخص جاء بشكل محترم ليطلب ورقة من هنا وهذا من حقي، هكذا تشجعت من موقف الشاب العراقي، وآخرين أكدوا لي أني ظلمت.

وعدت مجدداً، وأنا أصعد إلى البناء شعرت بقوة عظيمة جاءتني لم أشعر بها مطلقاً من قبل، كما شعرت بثقة عالية بالنفس تدفعني للوقوف في وجهه الشاب، الذي عاد ليسألني ماذا تريد؟ وهنا لم أكلمه بالعربي، بل تكلمت معه بالألمانية لأريه أنني لست بحاجته، وأقضي كل أمور باللغة الألمانية، وقلت له أنه: ليس لديك الحق أن تطردني بهذه الطريقة، وأعدت العبارة تلك ثلاث مرات، وقلتها بكل ثبات!

ثم شعرت أنه صُدم من ردّة فعلي، أخرج موبايله وقال لي باللغة الألمانية: سوف أتصل بالشرطة، وأكدت أنا بالألمانية أيضاً أنه يجب أن يتصل بالشرطة، لأني لم أخالف القانون، وهنا رجع للوراء وقال أنه سيعود، ذهب لنهاية الممر واختفى، وأنا بقيت واقفاً، وفي كل دقيقة يطل برأسه ليرى إن غادرت مكاني أم لا، ومن هنا عرفت أنه الطرف الأضعف، وهو لم يقم بهذا التصرف إلا لأنه -مع احترامي لإخوتي اللبنانيين- هناك البعض منهم يحملون على السوريين انطلاقاً من وجود مشاكل سياسية بين البلدين.

بعد ذلك وجد - اللبناني- أني مصرّ في موقفي، ذهب وعاد مع موظف ألماني، وجاء الموظف بكل احترام ولطف سألني ماذا أريد، وطلب مني المجيء معه إلى مكتبه. يبدو أن الحارس اللبناني قد شرح له تفاصيل المشكلة بيننا وطلب منه العون لحلها. ذهبت مع الموظف الألماني إلى غرفته وشربنا القهوة، وساعدني في قضاء أموري وطبع لي الورقة المطلوبة، علماً أنه ليس الشخص الذي يجب مراجعته من قبلي، وقال إنه يعتذر باسم المكتب وطلب السماح لما حدث.

وهذه القصة هي من الحوادث الكثيرة التي عشتها سواء معي أو مع الآخرين مثلي، فهي إمّا أن تدفعنا للاعتزاز بانتمائنا للشرق، أو تجعلنا بطريقة أو بأخرى نشعر بصعوبة ومرارة الانتماء للحضارة العربية أو لدولة عربية في هذا الزمن.

بعد التصرف الذي أبداه الشاب اللبناني، ذاك التصرف السيء، اهتز شعوري كثيراً في إيماني بفكرة الشعور بالاندماج والانتماء، وشعرت أنها فكرة وهمية ولا وجود لها على أرض الواقع، ولا يمكن تطبيقها، وربما لولا تدخل الموظف الألماني بالوقت المناسب، كنت سوف أدخل بصدمة حضارية، صدمة نفسية، سوف تدفعني للانعزال، وألا أجتهد وأدرس وأدخل الجامعة وأحلم… ولكن ما فعل هذا الموظف الألماني جعلني أستعيد الثقة بفكرة الاندماج وفكرة الانفتاح على الآخر، وأنه ممكن جداً إذا اجتهدت أن أكون جزءاً من المجتمع الألماني.

وهذا باختصار ما شعرت به بعد ذاك الموقف الذي حدث معي.