فتحي تربل

احد مقابلات حزمة: ٤٢ عاماً من القمع,
Original Interview Length:
سجلت هذه المقابلة في: مبنى الأمن الداخلي السابق في بنغازي
فريق الانتاج:
المواد المتوفرة لهذه المقابلة:

"كان أمامي زجاجة مبقّعة بالدم، وكانوا يهددونني بالجلوس عليها"

فتحي عثمان تربل، عمل والده بائعاً للمثلجات ليؤمّن له متابعة تعليمه. تربل هو المحامي الليبي الذي اعتبرته مجلة التايمز واحداً من بين مئة شخصية أكثر تأثيرًا للعام  2011.

اعتُقل فتحي أكثر من مرة، وأدّى اعتقاله الأخير إلى إشعال فتيل الثورة، كانت المرّة الخامسة التي يتمّ فيها اعتقاله منذ العام 1991، وأطول مدّة قضاها في المعتقل  كانت ثلاث سنوات.

شارك عام 2009،  في تأسيس جمعية شهداء مذبحة أبو سليم بعد أن فقد شقيقه فيها.

يقول فتحي عن أخيه “انضم أخي اسماعيل إلى الجماعة الإسلامية بينما كان يدرس الهندسة الجوية، ثم تحوّل إلى الأصولية وترك الجامعة، وفي الثمانينيات لم يكن المنهج الإسلامي سياسياً، الناس في تلك الفترة كانوا يعانون من نقص في الثقافة والفنون، واسماعيل لم يكن مثقّفاً ليكون إسلامياً سياسياً،  بل هو بالنسبة للمدارس الإسلامية اليوم تلميذ في صف الروضة“.

سمع تربل عن عنف الإسلاميين في ليبيا للمرة الأولى في أغسطس 1986م، حين قتلوا أحمد مصباح الورفلي، وهو عضو في اللجنة الثورية الخاصة بالقذافي، ونتج عن ذلك في فبراير 1987 إعدام تسعة ليبيين مباشرة على الهواء.

شنقوا ستة مدنيين في ذات الملعب الرياضي الذي شنق فيه صادق الشويهدي قبل ثلاث سنوات،  وأعدموا ثلاثة عسكريين رمياً بالرصاص.

يقول فتحي عن الاعتقالات في ليبيا  “ أظهرت ملفات عُثِرَ عليها بعد ثورة 2011 عن اعتقال ستة آلاف رجل بين عامي 1988 و 1995 ومن بينهم اعتقال اسماعيل في منزله في الثامن عشر من كانون الثاني عام  1989”.

كان تربل آنذاك في السابعة عشرة من عمره، وكان أخوه الأكبر فرج ضابطاً في وحدة المخابرات الأجنبية، وتمّ اعتقاله قبل يوم فقط لعدم إفصاحه عن أية معلومات تخصّ أنشطة اسماعيل.

يقول عن ذلك “ لم يكن فرج يشكل خطرًا كبيرًا، لذا سجن في الجناح (جيم) من عنبر الأمن في سجن أبو سليم ونجا من المذبحة “.

وقعت مذبحة أبو سليم في 29 يونيو 1996،  قتل خلالها 1270 سجيناً وكان من بينهم اسماعيل وزوج أخت تربل وابن عمه في حين نجا فرج.

بدأ تربل بسماع إشاعات عن المذبحة بعد مرور أشهر على وقوعها، لكن عند اعتقاله في أبو سليم عام 1998  مرّر له أحد الحرّاس بعض المعلومات عن وضعه.

يقول عنها  “أخبرني أنه سيتمّ الإفراج عني وعن فرج وطلب مني ألا أسأل عن البقيّة، فهمتُ عند ذلك أنهم كانوا من بين الذين قتلوا”.

لم تكن تلك المرة الأولى ولا الأخيرة التي يتمّ فيها اعتقال تربل، فتجربته الأولى كانت في صيف 1991  قبل أسابيع قليلة من ذكرى انقلاب القذافي.

يقول عن اعتقاله ” كانوا يجمعون كل من يمكن أن يشكّل خطرًا على الأمن ويهدد الاحتفال بالمناسبة التي كانت تقام في الأول من سبتمبر، أُطلق سراحي بعد شهرين، وعندما سألت عن سبب اعتقالي، هددوني بالعودة إلى السجن، وعدتُ عندما تم اعتقالي مرة أخرى وقضيتُ شهرين آخرين عام 1995”.

كانت أسوأ تجاربه عام 1998 حين زُجّ في سجن عين زهرة لمدّة ستة أشهر وكان ذلك قبل نقله إلى أبو سليم.

يقول تربل “ كانوا يطلقون على سجن أبو سليم اسم الثلاجة، فهناك يترك المساجين وحدهم بمواجهة البرد والجوع و المرض، رغم ذلك لم يعذبونا كما فعلوا في عين زهرة حيث كان الصراخ هناك يملأ المكان دون توقف “.

عُذِّبَ تربل في سجن عين زهرة بطرق مختلفة.

يقول عن ذلك ”كانوا يقيّدون يديّ خلف ظهري ويعلّقونني على حافة الباب مثل المعطف، كنت أتحرك مع حركة الباب ولم يكن الدم يصل إلى ذراعيّ، فأعجز بعد ذلك عن تحريكهما“.

ويتابع القول “كانوا يعيدون زميلي إلى الزنزانة بعد جلسة التعذيب محمولاً على العربة كالميْت، رغم أنه ليس الشخص المطلوب بل كانوا يريدون أخاه، وبما أنهم لم يتمكّنوا من العثور عليه كانوا يعذبون الآخر بدلاً عنه“.

وهناك في السجن  ذاع سيط رجل معروف بإسم (وحشي) وهو المتخصص بجلد المساجين، له ذراعان كبيرتان وقويّتان“.

يتحدث عنه تربل قائلاً ” كان يقيّدني على سرير يتحرّك بشكل نصف دائري، يجلدني ويجرّدني من ملابسي ويهددني بإجلاسي على زجاجة مركونة أمامي ومبقّعة بالدم  كما فعل مع من سبقني، ويرعبني بتوعده إحضار أخواتي ليفعل بهنّ الحراس ما يشاؤون”.

لم يدخل تربل قاعة المحكمة أو يقابل محامياً أو قاضياً في أيّ من المرّات العديدة التي تمّ استجوابه أو اعتقاله فيها، ولم يتمّ يوماً اتهامه رسمياً بأي شيء أو محاكمته.

يقول تربل “أثّر كلّ هذا على قدرتي فزادني إصراراً على إكمال دراستي، تخرّجتُ عام 2006  وعملتُ في شركة محاماة، لكن الأمر لم يستمرّ طويلاً حيث تركت العمل عام 2009  وتفرغتُ للعمل في جمعية شهداء مذبحة أبو سليم“.

حوّلت الجمعية وكذلك المظاهرات التي دعمت أسر ضحايا مذبحة أبو سليم فتحي تربل إلى شخصية بارزة في بنغازي، وتسبّب اعتقاله آخر مرّة في 15فبراير 2011 بمظاهرة وقف فيها المئات أمام محكمة المدينة، ثم تحوّل المئات إلى آلاف وانتهت التظاهرة بانقلاب على النظام الذي عذّب تربل وأسرته وغيرهم لعقود.