أنا فرح عباس، عمري 29 سنة، صيدلانية، من دمشق، أعيش في ألمانيا بمدينة برلين منذ حوالي ثلاث سنوات ونصف. أثناء تواجدي في ألمانيا تزوجت من شخص يعيش في النمسا، وهو سوري اسمه ورد الدمشقي، ولدي طفلة منه اسمها لور عمرها سنة ونصف.
جئت إلى ألمانيا نهاية عام 2016 عن طريق قبول جامعي، ولأنه كان هناك نقص في الأوراق المطلوبة لاستكمال التسجيل لإقامة الدراسة، فكنت مجبرة على تقديم لجوء بعد أقل من شهر على وصولي إلى ألمانيا. لذلك أنا موجودة في بلد وزوجي في بلد آخر، ومن هنا بدأت رحلتي.
سكنت في تجمع للاجئين يسمّى "هاين" في ألمانيا، وكان الوضع حينها صعباً، في البداية سكنت في غرفة مشتركة مع ست بنات، كان التواصل مع جزء منهن سهلاً، والجزء الآخر كان صعباً، لقد كنا ستة في غرفة واحدة، والتناغم بيننا صعب، بسبب عامل الضغط النفسي، الذي يسببه البعد عن الأهل، بالنسبة لي ولهن. وصعوبة أخرى هي أننا لا نعرف لغة البلد، الأمر الذي دفعني للسكن في غرفة أخرى وحدي بعد أن حصلت على إقامتي في ألمانيا. أثناء هذه الفترة كنت قد سجلت في كورس لتعليم اللغة، واستطعت أن أتجاوز المرحلة الأولى "كورس الاندماج"، ومن ثم تقدمت إلى "الامتحان السياسي" الذي يؤهل لاحقاً للحصول على الجنسية الألمانية.
وبعد أن تجاوزت كل ذلك، شعرت أني أريد أن أتعرف أكثر على هذا البلد، وأن أتمكن من التواصل مع الناس بشكل مباشر، لأنه خلال دراسة اللغة لا نتعلم سوى القواعد، لذلك ما كنت أستطيع أن أجري محادثة كاملة مع شخص ألماني يتحدث اللغة بطلاقة. وبما أنني أستعد لتعديل شهادتي الجامعية، لم أستطع أن أجد عملاً ولو بدوام جزئي، ووجدت الخيار الأسهل من أجل تحقيق هذا الشيء، هو أن أبحث عن منزل، وأعيش مع عائلة ألمانية، وبدأت أبحث عن طريق البرامج المخصصة لإيجاد بيوت، وبعد مقابلة أو مقابلتين، استطعت الاجتماع مع عائلة ألمانية، وهي عبارة عن سيدة ولديها ابنتان، كانتا في مثل سنّي تقريباً.
وتيسرت الأمور، وسكنت مع هذه العائلة، في البداية كان التواصل بيننا صعباً قليلاً، الحاجز لم يكن حاجز لغة فقط، بل معرفتنا ببعضنا، وهنا أود أن أشير إلى أنهم تجاوزوا محاولاتي البسيطة للتواصل معهن، فقد عملوا لكسر الحاجز بيننا، وبدأ التحسن في التواصل عبر اجتماعنا بشكل يومي معاً عندما يعودون من أعمالهم على العشاء، كنا نجتمع ونتحدث، ويصححون لي فيما لو أخطأت بالكلام أو اللفظ.
كان لدينا برنامج يومي وهو أن نشاهد معاً حلقة من مسلسل ألماني، وكان مع كتابة مرافقة على الشاشة بالألمانية أيضاً، من أجل أن أرى وأسمع الألمانية، ومهما كانت الكلمات صعبة، يقومون بشرحها لي بشكل مبسط، وهذا ساعدني كثيراً لحفظ المفردات، كما ساعدوني ودعموني لأنهي مستوى متقدم من اللغة.
بعد فترة من سكني مع هذه العائلة، تحوّل يوم الأحد بالنسبة لي إلى يوم جمعة، يعني يوم الأحد أصبح مثل يوم الجمعة في دمشق عندما كنت أجتمع مع أهلي لتناول الإفطار أو الغداء، وهنا أصبحوا هم عائلتي الموجودة في ألمانيا، نخرج معاً أيام العطل ونتمشى معاً ونجلس نتحدث، حتى أنه أصبح هناك تواصل بين عائلتي في سورية ومع هذه العائلة في ألمانيا، ومع عائلتهم الكبيرة مع الجد والجدة وباقي أفراد العائلة، ولاحقاً- بفضلهم ومساعدتهم- استطعت أن أجد منزلاً لوحدي، ورغم ذلك كنّا مستمرين في اللقاءات أيام الأحد، وحالياً في فترة الحجر المنزلي بسبب فيروس كورونا، لم نعد نلتقي، ولكن إلى الآن غرفتي التي سكنت فيها عندهم، لازالت موجودة لي وجزء من أغراضي وثيابي هناك أيضاً، حتى أنهم قاموا بإنشاء مكان مخصص للعب طفلتي في حديقة منزلهم. لقد تحولت هذه العائلة بالنسبة لي من عائلة كنت قد استأجرت عندهم غرفة، إلى عائلة احتضنتني كأنني ابنة لهم، وهذا ما ساعدني كثيراً لأحب هذا البلد التي أعيش فيها.
حالياً لغتي أفضل، وتواصلي مع الناس أكثر سلاسة، كما أن حاجز الخوف الذي كان يمنعني من التواصل مع الناس لم يعد له تأثير فعال عليّ..
وهذه هي حكايتي.