تبلغ فيونا من العمر 49 عاماً وهي إنجليزية الأصل، تعيش في فرنسا منذ عدة عقود وحصلت على جنسيتها. هي محامية لكنها لا تمارس مهنة المحاماة حالياً، وتعمل هي وزوجها كمترجمين مستقلين. تعيش في "إندومي" على تلّ مطل على مرسيليا والبحر مع زوجها جان الفرنسي من أصل لبناني، وهما يتطوعان للعمل في مطبخ الحساء في "النجدة الكاثوليكية" مرة واحدة في الشهر.
شاهدَت فيونا إعلاناً نشرته جمعية حقوقية تطلب فيه التبرع بالرعاية والسكن للعائلات السورية من طالبي اللجوء، وبما أنه لم يكن لدى عائلتها وأطفالها الخمسة متسعاً في المكان، لذا قامت "بإرسال بريد إلكتروني إلى العديد من أصدقائها. ثم اتصل بها أصدقاؤها المقربون وجيرانها"، وقال صديقان لها إنهما يقضيان أيام عمل طويلة خارج المنزل بما أنهما طبيبان، وهما يودّان استضافة أسرة لاجئة، لكنّهما يحتاجان إلى مساعدتِها فيما يتعلق بالمعاملات وتوجيه الأسرة في السُبُل العملية للحياة اليومية. وافقت فيونا على ذلك، وأوصلت العائلة الشابة المكوّنة من أمل وأبي فاروق وطفلِهما الرضيع إلى بيت صديقتها، ثم انتقلت للسكن معهم. رحبت العائلة الصديقة لفيونا بالعائلة السورية خلال فراغها في كثير من الأحيان، واصطحبوهم في نزهاتهم العائلية، وطهوا الطعام معا في المنزل، وتقاسموا الوجبات وأصبحوا أصدقاء وأقارب بالتبني.
في البداية، لم تكن فيونا تعرف شيئًا عن إجراءات الهجرة وقامت بالأبحاث عن ذلك، وقضت أيامًا بأكملها مع العائلة تتجول بين الإدارات الرسمية. قالت أنّ الموظفين هناك لم يكونوا لطيفين مع اللاجئين والمهاجرين، وأبدوا تعليقات مهينة، كانوا يدركون أن المهاجرين لن يفهموها. كانت في كثير من الأحيان تُسأل عن سبب وجودها، هي البيضاء الطويلة القامة، بينما كانت تحمل طفل فاروق بذراعيها منتظرة في الطابور.
ساعدت فيونا من خلال الحزم الذي أبدته، فرفضت العودة في اليوم التالي بما أنّها كانت تملك كل الأوراق الخاصة بهم. وتعتقد فيونا أن هذا التصرّف المعيب معهم بات أمراً منهجياً، لذا فإن الحديث المُتناقل اليوم عن كون فرنسا ليست خيارًا جيدًا للاجئين: (لا وظائف، وهناك تجارب غير سارة مع بيروقراطية طويلة) بحيث يذهب اللاجئون والمهاجرون إلى بلدان أخرى. لا تقدم الدولة الفرنسية أي مساعدة تعاونية، بينما يتم تقديم الحلول من قبل المواطنين كما في هذه الحالة. لقد كان انتظار الإقامة طويلاً للغاية بحيث عاشت تلك العائلة مع أصدقائها لمدة خمسة أشهر بدلاً من ثلاثة. وقد أقامت فيونا والعائلة المضيفة حفلة لجمع التبرعات لدفع إيجار الأسرة للسنة الأولى كانت ناجحة للغاية. كما طلبت العائلتان من أصدقائهما تقديم وظائف صغيرة لأبو فاروق كبستاني، ولأمل مثل أن تكون متعهدة طعام.
وتقول أن هذه التجربة جعلتها أقرب إلى ثقافة الشرق الأوسط المرتبطة بطفولة زوجها وهي التي تلتزم السفر مع أسرتها إلى لبنان كما إنكلترا سنوياً. هي مسيحية ممارسة لدينها مستوحية إيمانها من مقولة: "أحبب قريبك كنفسك"، رغم أنه، كما تقول، يمكن لأي دين أو لا- دين أن ينتج أشخاص صالحين يقومون بالمساعدة. خلال شهر رمضان انزعج جان أنه لم يجد أحداً في حيّهم ليخبرهم بموعد العيد نهاية شهر رمضان، فاضطروا إلى السير إلى ميناء "فيو" لمعرفة ذلك.
قالت فيونا إن التجربة التي كثيراً ما أثّرت بها كانت في المطار حين استقبلت كلا العائلتان كلّ من أبو فاروق وأمل والطفل فاروق. لاحظت أن أبو فاروق كان يحمل زجاجة صغيرة من مياه معدنية ماركة "تنورين"، وأوضحت بطريقة تمّت على الاغلب بشكل غير محكي أن جان هو في الأصل من تنورين. فأعطى أبو فاروق المياه المتبقية إلى فيونا لشربها وفعلت ذلك عربون صداقة من نوع ما، ثم ضحكوا واحتفلوا في تناغم بهيج.
نتيجة لكل ذلك أصبحت فيونا غير متسامحة مع التصرفات التأديبية تجاه اللاجئين: فكرة أنه يجب عليهم أن يتعلموا اللغة، أنّه يجب عليهم فعل كيت وكيت من أجل الاندماج بشكل صحيح، وهي تتعاطف مع الجهد والصدمة التي يجب على اللاجئين التعامل معها لفترة طويلة، وهي تشرح لأصدقائها ذلك على النحو التالي: أنت طبيب فرنسي، تخيل لو كان عليك الفرار إلى الصين، لن تعود طبيباً هناك ولم يكن باستطاعتك تعلم اللغة الصينية، أضف هذا إلى تجربة هذه العائلة السورية من سجن وتعذيب وفقدان الوطن والخوف، كيف سيكون شعورك حينها؟