كوثر خليل

احد مقابلات حزمة: قصص عن الانتماء,
Original Interview Length:
سجلت هذه المقابلة في: برلين. ألمانيا
فريق الانتاج:
المواد المتوفرة لهذه المقابلة:

أنا اسمي كوثر خليل، عمري 33 سنة، من دمشق، درست في معهد إعداد المعلمين قسم الموسيقا، وعملت في التعليم قبل مغادرتي، أنا مقيمة حالياً في ألمانيا وتحديداً في برلين منذ خمسة سنوات ونصف. أما الأسباب التي دفعتني للخروج من سوريا فهي الظروف الحالية، مع اختلاف التسمية، هناك من يسمونها "ثورة" وهناك من يسميها "أزمة". الظروف التي كانت في سوريا أثرت تأثيراً كبيراً على قرار خروجي، أولاً توفي أبي- رحمه الله- قبل سنة كاملة من سفري، فعشنا ظروفاً ليست جيدة، وكان هناك مشاكل مثل الوصول إلى المدرسة التي كانت في شارع بغداد، بينما كنت أعيش بعيداً عن هذا الشارع، وأحتاج أكثر من ساعة للوصول إلى المدرسة وبصعوبة فائقة، لقد عانيت من ذلك كثيراً إلى جانب عدم توافر الخدمات البسيطة مثل الكهرباء والانترنت. فأصبحت الحياة صعبة والظروف مرعبة، وتعقدت أكثر بوفاة والدي الذي ترك لي أخ وحيد أصغر مني بعشرة سنوات.

عندما قررت الخروج إلى أوروبا راسلت أصدقاء كثر هناك، وتيسر لي أن حضرت إلى ألمانيا، وأنا حالياً مقيمة فيها وأشعر أنها بلدي الثاني، إضافة إلى أنني وجدت أشياء رائعة هنا، حيث بدأت حياة جديدة في هذا البلد. كانت نيتي الوصول إلى برلين، ولكن لم يتم الأمر، فبقيت في ميونخ بسبب الأوراق، حيث ذهبت بصحبة أصدقائي إلى مركز اللجوء.

عندما ذهبنا إلى تلك المدينة، أقمنا في بناء عبارة عن ثلاثة طوابق، أي جمعوا كل اللاجئين الواصلين إلى هذه المدينة في مكان واحد، ثم أقامت مجموعة سيدات من هذه المدينة رابطة صغيرة أو تجمع صغير، وقالوا أنهم يريدون الاهتمام باللاجئين، لأنهم من الممكن أن يكون قد جاؤوا من بيئة حرب وعنف، مما دفعهم للخوف من أن يكون لدينا ميول للعنف، أو أن نكون عنيفين أو لدينا مخزون غضب داخلي أو أي شيء ليس جيداً، فأحببن القدوم من أجل توجيهنا وتقديم المساعدة لنا، وليدلونا على شيء من الممكن فعله لاستثمار وقتنا وكيف نسوي أمورنا في ألمانيا.

كل سيدة أخذت شخصين أو ثلاثة من اللاجئين، أنا تعرفت على سيدة ألمانية، اسمها السيدة "أنجليكا كوليرد" ومهنتها طبيبة متقاعدة، وكانت قد استقرت في هذه المدينة حديثاً، لأنها كانت تقيم وتعمل بمدينة أخرى، وكان تواصلي الأول معها، لقد كانت سيدة لطيفة جداً، ساعدتني بالبداية كي أقوم بإنجاز كل أوراقي، وكانت تقلني بسيارتها- شكراً لها- على كل الأماكن التي يجب أن أنجز فيها أوراقي، عرفتني على المدينة، مثلاً: أين يقع البنك أين تقع المؤسسة الفلانية، أين تقع البلدية، ما هي الأماكن التي يجب أن أذهب إليها لأكمل اوراقي، دلتني على المطاعم الغالية والمطاعم الرخيصة إذ أحببت الذهاب، وأخذتني إلى السوبر ماركت وعرفتني على أقسامها، ما هي الأشياء التي يمكن أن أشتريها، دلتني على الأشياء الحرام والأشياء الحلال، لأنني إنسانة مسلمة محجبة. فهي توقعت فوراً أنني لا أشرب كحول، هذه السيدة لم تدلني فقط على الصح والخطأ، وتشرح لي كل ما أريد، بل كانت تدلني على ما يناسب دخلي بحكم أني لاجئة، وربما كانت تعرف أن وضعي المادي ليس جيداً كفاية.

لقد أحبت التعرف على ثقافتنا، كان لديها فكرة خاطئة- للأسف-. تفاجأت حين عرفت أنني معلمة موسيقا، وتفاجأت حين عرفت أن ثلاث سيدات من عائلتي يعملن: أنا معلمة، وأختي ممرضة وأمي تعمل في وزارة السياحة وتسافر كثيراً، وهذا الأمر فاجأها كثيراً! وكذلك عندما علمت أنني أملك شهادة قيادة سيارة، وكان لديها اعتقاد أن كل السيدات من المسلمين في الدول العربية لا يقودون السيارة أبداً. واندهشت حين علمت عكس ذلك، وتأكدت أننا منفتحين.

سألتني عن ثقافتنا، وشرحت لها ماذا نفعل في رمضان، وماذا نفعل في العيد وكيف نزور بعضنا البعض، ونجلب حلويات ونقدمها لبعضنا، وأننا نعايد الأولاد بالمال أو الهدايا، شرحت لها عن العيد الكبير، كيف أن بعض الناس يمكن أن يقدموا "أضحية" ويقدموا اللحم مجاناً للفقراء. كانت هذه السيدة محبة للثقافة العربية فحاولت أن تتعلم بعض الكلمات العربية، حتى أنها حين كانت تأتي تقول لي: "السلام عليكم"، مع أني لا أقول السلام عليكم بل أقول: مرحبا، فأنا لا أتقيد بسلام عليكم فقط، ولكنها كانت تريد أن تشعرني على الدوام أنني يمكن أن أعيش جوي العربي الإسلامي الذي كنت أعيشه هناك.

للأسف أنا انتقلت من هذه المدينة لأنها قرية صغيرة، بالبداية كانت جيدة بالنسبة لي، ولكن لم يكن باستطاعتي الاستمرار فيها لأنني لن أجد مكان أعمل به أو مكان أدرس فيه، فأنا انتقلت إلى برلين، ورغم ذلك فقد زرتها مرتين أو ثلاث مرات، ونحن نتكلم بشكل دائم، أنا شاكرة جداً لها ولفضلها وهي من جعلتني أشعر أن هذا البلد بلدي وأنني لست غريبة، وجعلتني أعرف أنني إذا احتجت مساعدة فالألمان موجودين، وأن الألمان يهتمون بالإنسان، والإنسان في داخلهم لا يزال حيّ والحمد لله، هم يمكنهم أن يقدموا يد المساعدة عندما يستطيعون ذلك. أنا شاكرة لها ولكل من ساعدنا وقدم لنا فرصة حتى نكون أشخاصاً سويين في هذا المجتمع.

أنا سعيدة أني في ألمانيا، وأنا والحمد لله أتكلم اللغة الألمانية، إن 6 سنوات ليست كافية، لكني بمستوى لغوي جيد جداً.

وهذه هي قصتي الصغيرة.