يعرفنا محمود زيدان (54 سنة) من طرطوس، سوريا، عن نفسه فيما يخص هويته وعن عائلته قائلاً:
أنا مهندس متقاعد، سوري، علماني، لا ديني، كنت في شبابي منخرطاً في تنظيم وفكر يساري ولا زلت أجد نفسي يساري التفكير. أنتمي إلى عائلة منتشرة على جغرافية واسعة وتنتمي لعدة مذاهب وأديان.
ويسرد محمود متذكراً هوية النسب وحيثيات الانتقال المذهبي ضمن العائلة قائلاً:
سمعت مرويات كثيرة تفيد بأن نسب العائلة يعود إلى والي عكا في العصر العثماني ظاهر العمر الزيداني. وقد حكم منطقة صفد في فلسطين كملتزم جباية ضرائب في القرن الثامن عشر، وتوسع ليحكم الجليل الشمالي ومن ثم توسع إلى طبريا وعكا وحيفا ويافا وأقام علاقات تجارية مع فرنسا و علاقات عسكرية مع روسيا، ومع شيخ البلد في مصر علي بك الكبير، وتحدى الدولة العثمانية وولاتها في دمشق وصيدا وأصبح حاكما على كامل فلسطين وكان له علاقات تحالف وتصادم مع أمراء الدروز ومشايخ الشيعة في جنوب لبنان وفي النهاية عندما تخلص منه العثمانيون في 1775م كان لديه حوالي 270 ولدا وحفيدا. وأحد أجدادي قدم الى ريف بانياس في طرطوس في منتصف القرن التاسع عشر بسبب ظروف النفي والتهجير التي تعرضت لها عائلة ظاهر العمر قدم من لبنان واستقر بين العلويين وأصبح علويا ببساطة وها أنا ذا.
وعن حدوث الانتقال المذهبي، بسبب وصول أحد أجداد محمود إلى بانياس يشير إلى أنه لم يجد في تاريخ ظاهر العمر تفسيراً واضحاً، ويرى:
أن العمر كان متجاوزاً للدين، شجع المسيحيين على الهجرة إلى عكا، واليهود على الهجرة إلى طبريا، وكان على علاقة جيدة مع عشائر الشيعة في جبل عامل، وكان متحالفا مع بعض أمراء الدروز وبني في زمنه العديد من الكنائس في فلسطين، تحالف مع الفرنسيين ومع الروس. انتقل أحد أجدادي إلى بانياس في منتصف القرن التاسع عشر وتفسيري أنه أراد أن يبني زعامة بين العلويين فأصبح علويا لكن المسألة لم تتوقف هنا، أحد أفراد العائلة في بانياس جرى نفيه إلى جزيرة أرواد نهاية القرن التاسع عشر وهناك اعتنق المذهب السني مجدداً وخلال زمن الانتداب الفرنسي ونتيجة ظروف الفقر انتقل أحد أبناء العائلة من أرواد للعمل في محطة وقود في منطقة صافيتا، وكان ملاك محطة الوقود مسيحيين ولم يكن لدى العائلة أبناء وأثبت الشاب الزيداني القادم من أرواد جدارة وثقة وأمانة وقوة وعندما توفي الرجل مالك المحطة تزوج من الأرملة المالكة للمحطة واعتنق المسيحية.
وعن أثر الفرق بين الهويات السابقة على طفولته، يقول محمود:
نشأت في بيئة علوية ولم أعرف إلا عند النضج أن العائلة متنوعة مذهبياً، لذلك طفولتي لم تتأثر بهذا الاختلاف، لكن جو الأسرة وتحديداً والدي كان بعيداً عن أيّة عصبية مذهبية، وفي بعض اللحظات كنت أشعر بالغربة عن المحيط دون أن أجد تفسيراً لذلك، هذه الطفولة إذا تأثرت فهي تأثرت بشكل غير مباشر من خلال فروقات العلاقة بين والدي وعائلة امي.
أما عن أثر تلك الهويات على شخصيته منذ المراهقة حتى اليوم يؤكد محمود أن لقاءاته مع أصدقاء في المرحلة الثانوية والجامعة، من توجهات يسارية، ساهم بشعوره بالانسجام، ويضيف:
تقبل الفكر والحركة الشيوعية بطريقة لا أستطيع اليوم إلا ربطها بالجينات العائلية الموروثة من الجد الأكبر ظاهر العمر، هذه الجينات التي تعطي للحياة الفكرية والمهنية والاجتماعية قيمة أعلى من الدين وعصبياته، ومن ثم حين اكتشفت أننا عائلة ممتدة في سوريا وفلسطين والمغرب ولدينا عدة مذاهب، اتضحت لي الصورة أكثر وفهمت الفروقات بين عائلتنا وعائلة أخوالي وكيف أننا منذ الطفولة لا نشعر بالانتماء إليهم.
وعن أثر الفرق بين الهويات الثلاث على العلاقة مع عائلته الصغيرة، يعتقد محمود أن أخوه الصغير قد تأثر بوالده ووالدته وأخواله ونشأ بشكل تقليدي، حسب وصفه مؤكداً أنه:
أصبح شيخاً أو رجل دين، كان هناك مسافة قلقة ومتوترة بيننا وهو توتر بين الانفتاح والانغلاق، بين التنوع واللون الواحد.
أما مع الأقارب، فقد كان ذلك الأثر فرصة لفتح قنوات تواصل متنوعة، على حد تعبير محمود، يقول:
كنت أجد متعة لا توصف عندما أجد شخصا من القلمون وندخل في علاقة تعارف جميلة لأننا من عائلة زيدان رغم اختلاف المذهب والمكان والبيئة، ومن ثم نجد أحدنا يقول للآخر يا "ابن العم".
وأخيرا يؤكد محمود زيدان أنه لا يمارس أي طقوس من المذهب الحالي أو السابق، يقول:
أنا لا ديني، أظن أن العائلة على اختلاف مذاهبها لا تهتم بالطقوس الدينية. إن جد العائلة وظف الاختلافات الدينية لبناء دولة وتحسين معيشة الناس وتشجيعهم على التعايش وتبادل المصالح وليس إثارة النزاعات والنعرات.