منتهى

احد مقابلات حزمة: قصص عن الانتماء,
Original Interview Length:
سجلت هذه المقابلة في: سويسرا
فريق الانتاج:
المواد المتوفرة لهذه المقابلة:

أنا منتهى من مدينة حمص السورية، المدينة التي شهدت الحراك الشعبي منذ بدايته عام 2011، هذا الحراك الذي تطوّر شكله بطريقة مدروسة وموجهة حتى أصبح حرباً دموية، حرقت الجميع، ودمرت النفوس والذكريات والأحلام. إنها سنوات طويلة من الحرب كانت كفيلة أن يموت الإحساس بالوطن، فالوطن ليس مكاناً تولد فيه، الوطن إحساس، هو ناس تفهمهم ويفهموك. وكان واضحاً أن لا أمل في وطن يحكمه قانون ويكون بعيداً عن الحذاء العسكري أو عن الدين، ولذلك أصبحت خطوتي واضحة تحت ضغوطات كبيرة تعرضت لها، فأخذت ابنتي الصغيرة وتوجهت نحو أوروبا فوصلت سويسرا، وهكذا بدأت رحلة غربتي.

طبعاً لم يكن الأمر سهلاً على الاطلاق، ساعدتني قليلاً اللغة الإنكليزية للتواصل مع الناس، وبها بدأت أبني علاقات اجتماعية مع معلمات اللغة الألمانية. وفعلاً نجحت بالتواصل معهن لأنني أستطيع التعبير، فدائماً الناس تخاف من المجهول، وتخاف مما لا تفهمه ولا تعرفه، اللغة ساعدتني بالبدء في تكوين علاقات اجتماعية وأعتقد أنني نجحت بذلك.

كان واضحاً لي منذ البداية أن أمامي فرصة كبيرة وهي أن أقدم نفسي من خلال معلماتي، حتى لا يبقى الخوف الموجود بين الطرفين. وشيئاً فشياً حاولت بإصرار أن أوصل لهم شعوراً بأني أريد أن أتعلم وأريد في المستقبل أن أعمل، أتذكر أني قلت ذلك للمعلمة وقالت بأن جملتي أعجبتها كثيراً خصوصاً حين قلت: أشعر بنفسي أني في سباق مع الزمن، أنني لست شخصاً صغيراً وأريد أن أتعلم اللغة حتى أجد عملاً يناسبني. أريد أن أبدأ حياة جديدة أفضل، وكانت خطوتي الاجتماعية الأولى بأن قامت المعلمة بمساعدتي لأجد صديقة لي، هذه الصديقة ساهمت بدعم بداية حياتي الاجتماعية هنا وفتحت لي مجالات جديدة.

انتقلت إلى مكان جديد فبحثت عبر الشبكة الاجتماعية التي تساعد المهاجرين بالتواصل معهم وتدلهم على كل ما يسألون عنه، ومن خلالها تعرفت على الكثير من النشاطات التي شاركت فيها، منها: اجتماعية ومنها عملية، شاركت مثلاً في عمل تطوعي مجاني لمدة ثلاثة أشهر مع ذوي الاحتياجات الخاصة، وكان الأمر بالنسبة لي مساعدة لي أكثر منه تقديم المساعدة لأشخاص يحتاجونها، حيث حاولت أن أتجاوز نفسي، أن أتجاوز ظلي كما يقولون هنا، وأبدأ بالتعرف على نظام العمل في هذا البلد، وكيف تسير الحياة فيه. خلال هذه التجربة التي تركت انطباعاً جيداً عند الأشخاص الذين كنت أعمل معهم، وجدوا أن هذا حافز إيجابي لي، وأن لدي طموح ورغبة بالعمل، ولذلك دعموني فعلاً بكورسات اللغة، وفي البحث عن منزل عندما احتجت ذلك، وساعدوني بالانتقال إلى البيت الجديد، وبشراء الفرش اللازم لأني لم أكن أعرف فأنا غريبة. هذه الشبكة الاجتماعية كانت مساعدة فعلاً لي فقد أشعرتني بأني شخص من هذا المكان.

الناس والوجوه التي أراها الآن في الطريق بعد ثلاث سنوات في هذه القرية، كلما ابتسم لي أحد منهم فهو يهديني وطن، وطن صغير يعيش في قلبي، في ضحكة هذا الشخص الذي يقابلني خصوصاً وأني أعرف تماماً كم هم أناس صادقين. أي عندما يقول لك أحدهم تعال لنشرب القهوة عندي، فهو بالفعل يكون جاد بالعزيمة، عندما يقول لك أريد أن أساعدك فهو جادة بالمساعدة. وبالمقابل يمكن ببساطة يقول لك باي باي أنا لا يناسبني، لا يوجد شيء اسمه احراج هنا أو عيب فعندما لا يريدون هذا يعني أنهم لا يريدون حقاً، وهذا الوضوح كان يريحني جداً، وبالتالي أعرف نفسي أني لا أثقل عليهم، وأعرف أين تنتهي حدودي وهذا ما أحببته جداً.

وفيما بعد وجدت عملاً عن طريق والدة صديقة ابنتي التي أصبحت صديقتي، وتعرفت على ربّ العمل عن طريقها، فأنا أعمل حالياً وأصرف على نفسي وعلى بناتي، ولنا بيت مستقل وأدفع الضرائب مثل أي مواطن، ولا أخذ مساعدات اجتماعية، وهذا الشيء بالتأكيد يثير اعجابهم، ويحبون أن يروا شخصاً معهم وليس عبئاً عليهم.

فعلاً أستطيع القول أن الناس هي التي دعمتني أكثر من أي شيء آخر، وأنا سأبقى ممنونة لهؤلاء الناس الناشطين في الخدمات الاجتماعية والمؤسسات الانسانية الموجود هنا، لأنها فعلاً دعمتني بكل خطوة.

وأين ما ذهب الإنسان ممكن أن يجد أناس طيبين، هكذا أتوقع عندما يكون يريد فعلاً أن يعيش ويكمل حياته في مجتمع الجديد هو اختاره. أستطيع القول فعلاً بشكل واضح، أن علاقتي بجيراني ومعلماتي، والناس الموجودين معي في المكتب زملائي بالعمل، وعلاقتي بـرئيسي في العمل، من المؤكد أنها عززت انتمائي، وعندما كنت أتعرف إلى شخص ومنه أتعرف على آخر، لذلك كان ذلك مجال لتوسيع هذا الوطن الصغير الذي بنيته في قلبي وأنميه شيئاً فشياً ليصبح أوسع وأكبر، ولأشعر فعلاً أني أنا واحدة من هذا المجتمع الذي أنا موجودة فيه.

أنا منتهى أعيش في سويسرا، وأصبح بإمكاني القول بأني شخص ينتمي لهذا المجتمع.