ناظم

احد مقابلات حزمة: سِيَر سورية,
Original Interview Length:
سجلت هذه المقابلة في: تركيا
فريق الانتاج:
المواد المتوفرة لهذه المقابلة:

ذكريات رجل مُسن من ريف إدلب

ولد ناظم عام 1937 في معرّة مصرين، وهي بلدة تقع في محافظة إدلب، ويعتمد أغلب سكانها على الزراعة وخاصة زراعة الزيتون والتين والعنب. يذكر ناظم كيف كان تلاميذ بعض القرى المحيطة يأتون كل صباح الى المدرسة في بلدته، متحدين برد الشتاء ووعورة الطرقات، يحملون الكتب بأيديهم أو يضعونها في أكياس، ويرتدون ثياباً بسيطة، حيث لم يكن ثمة لباس مدرسي موحد بعد.

ضمت بلدة معرة مصرين مسلمين سُنّة وبعض من الشيعة ارتبطوا مع بعضهم البعض بعلاقات طيبة وحسن جوار، يقول ناظم: "كنا نعيش كالإخوة سنة وشيعة دون أي تفرقة، ارتبطنا مع بعضنا البعض بصلات زواج وصداقات وعلاقات طيبة، أذكر كيف كان سكان قريتَي كفريا والفوعة الشيعيتين يأتون الى البازار في بلدتنا كل يوم جمعة، لم نعرف التفريق  بين السنة والشيعة إلا خلال السنوات السبع الأخيرة".

يتذكر ناظم بعض الصور القديمة حول بساطة الحياة والمعيشة في بلدته، يقول: "كان في البلدة نحو ثمانية آبار حُفرت في زمن الانتداب الفرنسي، يتزود الناس منها بمياه الشرب التي تخزن من مياه هطول المطر". ويتابع القول: "في تلك الأيام لم نكن نستخدم المحروقات للطهي، بل كنا نعتمد على جمع بعض الحشائش والعيدان حتى تطهو أمي خلال اجتماعنا مساءً في كروم العنب، وكنا نستخدم الحطب الذي نجمعه خلال فصل الصيف للتدفئة في الشتاء، ونعتمد في الليل على ضوء الفوانيس التي تعمل بواسطة مادة الكاز".

حصل ناظم على شهادة الدراسة الابتدائية التي كانت تخوّل حامليها أن يُعلّموا في المدارس الابتدائية بنظام الوكالة، ولكنه فضّل أن يتوظف في مؤسسة حكومية بمدينة حلب، وصار يذهب الى عمله كل صباح من معرة مصرين الى حلب. كان راتبه حينها (أواخر ستينات القرن الماضي) 230 ليرة سورية، وكان كافياً لتغطية تكاليف المعيشة بشكل جيد ويزيد. يقول ناظم: "كنت أعمل في السابق في أرض أبي ولا أملك شيئاً خاصاً بي، ثم منَحَتني الوظيفة استقلالاً مادياً عن أهلي، وصارت طبيعة عملي أسهل من العمل في الأرض، ويضاف الى ذلك أن الناس كانوا يحترمون ويقدّرون الموظف الحكومي في تلك الأيام".

لم يسكن ناظم في حلب رغم أنه توظف فيها، لأن أهل المدينة كانوا ينظرون بدونية الى أهالي الريف الفلاحين كما يقول، ففضّل العيش بين أهالي بلدته، ووفّر نفقات استئجار بيت في حلب، وعلى هذا النحو، تزوج ناظم واستطاع تأمين متطلبات عائلته عن طريق وظيفته التي عمل فيها نحو 32 عاماً حتى سن التقاعد.

عايش ناظم أحداثاً هامة مرت بسوريا منذ مولده قبل نحو 80 عاماً، يتذكر من جملة ذلك الاحتفالات الجماهيرية ومسيرات طلاب المدارس التي جابت الشوارع عام 1946 بمناسبة استقلال سوريا عن فرنسا، كما يتذكر ردود الفعل الجماهيرية على عملية الشهيد السوري جول جمال، والذي أخذ شهرة واسعة بعد قيامه بعملية بحرية استشهادية ضد قوات العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. ويتذكر ناظم أيضاً أجواء الفرح والرضى التي عمت بين الناس إبان إعلان الوحدة مع جمهورية مصر والتي يعتبر أنها أعطت قوة للعرب. كان ناظم حينها مجنداً في الخدمة العسكرية الإلزامية وتم فرزه الى نادي الضباط كونه يحمل الشهادة الابتدائية. يقول في ذلك: "قضيتُ أياماً وذكريات جميلة في نادي الضباط، رأيت شخصيات هامة كجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر قائد الجيش الثاني وجمال فيصل قائد الجيش الأول وسلطان باشا الأطرش قائد الثورة السورية الكبرى، كما زُرت أماكن سوريّة عدة كقلعة صلخد وبحيرة المزيريب وشلالات تل شهاب والحمة والسويداء ودرعا والساحل السوري، كانت أيام جميلة عشناها ببساطتها، حيث كنا نعتمد على الراتب لتغطية جميع نفقات المعيشة، بينما اليوم لا يكفي راتب التقاعد الذي أتقاضاه مجرد ثمن دواء".

*تم استخدام اسم مستعار للراوي بناءً على طلبه