تخبرنا نور نصرة (34 سنة) من سوريا، والتي تعمل كمترجمة في الشأن الأدبي، عن نظرتها للمجتمع السوري المتعدد ومظاهر التعايش السلمي فيه، قبل الحرب، قائلة:
عشتُ جزءاً كبيراً من مرحلة الطفولة، في ليبيا، وكنّا تجمّعاً من العائلات السورية من محافظات وطوائف وأديان مختلفة، كنا أطفالاً لم يكن لدينا وعياً كافياً لنعرف كل واحد من أي محافظة أو أي ديانة، كان هناك نوع من المحبة فيما بيننا، ولكن الصدمة كانت حين جئت إلى سوريا عام 2003، كان الشرخ الطائفي واضحاً، ظاهرياً، أستطيع أن أعتبر مدينة دمشق، كمدينة لا تحتوي على مظاهر طائفية حادة، مثل مختلف المدن السورية، في دمشق هناك تنوع كبير، وبيئة العاصمة - كونها تشمل أطياف متعددة- كانت بيئة فيها جو مفروض، ورغماً عن الجميع، كان يجب الحفاظ على المظاهر المتوازنة. بينما في المدن الأخرى، كان هناك شرخ طائفي واضح، كنت قد لمسته في فترة الدراسة الثانوية، كان يحتوي هذا المجتمع على تعايش ظاهري وخدّاع، مزيف، وذلك كان واضحاً في بداية العام 2011 عندما كشف كل واحد القناع عن وجهه.
وتعرّف نور، السلام، حسب ما تعتقد على أنه "اللاعنف" مشيرة أن ذلك يبدأ في البيت، وتحديداً من الوعي، من الأب والأم، وتضيف:
ينطلق من تربية الطفل وعدم التلفظ أمامه بأية ألفاظ فيها عنف، أو أية ألفاظ فيها عنصرية أو طبقية أو طائفية، من هنا يبدأ السلام الداخلي لدى الطفل، حين يشعر أنه كائن طبيعي مثل أي طفل آخر بمستوى وعيه ونضجه، وبالتالي لا يكبر الطفل ولديه فكرة مسبقة عن الآخر المختلف عنه بأي شيء كان. تعريف السلام هو وعي، وهذا الوعي يحتاج سنوات طويلة، ويحتاج إلى بيئة وأساسات في المجتمع المدني، ونحن حالياً نفتقد لذلك، ومن الصعب أن يكون موجوداً في سوريا ولو بعد عشرين عاماً.
أما بالنسبة لرؤية نور، لبناء السلام لسوريا، فهي تعتقد أنها تبدأ من خلال محورين، محور الدولة كمؤسسات تعليمية، سواء في مدارس وجامعات، وإعلام بحيث يتم الاهتمام كثيراً بالمؤسسات الإعلامية التي توجه الفكر والتي تكون مسؤولة عن وعي الشباب في مرحلة معينة، المحور الثاني هو العائلة، الأسرة السورية والمؤسسات المجتمعية، والتي من واجبها أن تكون نشيطة نوعاً ما، أن يكون لها تأثير فعلي وليس فقط تأثيرا كلامياً أو ترويجاً لمصطلحات غير مؤثرة وبلا جدوى على المدى البعيد، وهنا أريد التركيز على المصطلحات التي قد لا نعرف أبعادها، مثل كلمات "التعايش، التقبل" هاتين الكلمتين أشعر أن لهما تأثيراً سلبياً على اللاوعي عند الإنسان الذي يدفعك بمجرد القول "تعايش المجتمع السوري" أن تعطي خياراً للكلمة الضد.
وعن رؤيتها لدور المرأة السورية، قبل الحرب، تعتقد نور أن دورها "دور مضاعف" لأنه يلزم عليها وكي يكون لديها دور فاعل وكي تكون مقنعة، أن تتحرر من كل قيودها في المجتمع، القيود الطائفية والقيود الطبقية، لقد أصبح لدينا طبقات متعددة وفجوات كبيرة بين هذه الشرائح، وبالتالي يجب أن تتحرر المرأة أولاً من السلطة الدينية والسلطة المجتمعية والسلطة الطبقية، حتى تبذل فعلاً الجهد اللازم في تربية أبنائها، وتربية هذا الطفل الذي سوف يكبر ويواجه مجتمعاً بأفكار مختلفة.
وعن دور المرأة السورية اليوم، تقول نور نصرة:
أنا أفضل المرأة السورية الراغبة فعلاً بأن تشارك بشيء للمستقبل في سوريا، ألا تشارك في أي عمل مجتمعي مدني، إذا كان لديها أي أذية من هذه الحرب، أذية نفسية أو أذية بأي شكل آخر، لأنها لن يكون باستطاعتها أن تعطي مجهوداً صحيحاً، وستقوم بردة فعل من الممكن أن تؤدي إلى تبعات أخرى. أتصور أن هذه المرأة الوحيدة هي المعافاة والتي ستكون قادرة على إعطاء فكرة صحيحة وسليمة، لأننا تضررنا جميعاً، هناك ضرر نفسي على مستوى المجتمع، وقد يكون ذلك الضرر غير واضح حالياً، ولكنه مؤخراً بدأ يظهر مجدداً، هناك ظواهر في المجتمع و ردات فعل وأمراض نفسية نتيجة الأذى النفسي الذي تعرضوا له الناس، وأي امرأة عندها أذية بشكل مباشرة من الحرب، أفضّل أن تكون بعيدة عن أي مجال عمل مدني.