تحدثنا الآنسة نور نصره، وهي كاتبة ومترجمة مقيمة في مدينة طرطوس، عما يؤثر على تشكيل هويتها السورية فتقول:
أنا إنسانة سورية أنتمي إلى الجيل الذي عاش الحرب، وشكلت جزء كبير من مخزونه العاطفي والاجتماعي والنفسي، وأيضاً حررته من التقوقع الديني نوعاً ما. قبل الحرب ما كنت أنتمي للدين الذي ورثته عن الأجداد، وكان عندي نوع من التحرر لكن بعد الحرب زاد هذا التحرر، فأنا أنتمي للنسيج الذي خلقته الحرب، للشريحة الرافضة لكل القواعد الدينية ولكل القواعد الاجتماعية التي كان متعارفاً عليها. وكانت سوريا تشكل لي المخزون العاطفي، فأنا تربيت خارجها ولما رجعت لم أشعر بالانتماء بل بصدمة لوجود شرخ طائفي بالبلد، وكان واضحاً جداً بالمناطق المختلطة، هذا الشيء جعلني في حالة عدم انسجام مع الواقع وجعلني منعزلة، فكان عندي رفض لهذا الواقع، وكان علي أن أكسره بالعلاقات الاجتماعية.
أما عن العلاقة بين الحرب وهويتها السورية فتقول:
بالرغم من كل آثار الحرب السلبية والمدمرة للنفسية السورية ولشريحة الشباب، فقد كان لها إيجابية، حيث أشعرتني بهويتي السورية عندما شعرت بالخطر، وأن بلدي يمر بمرحلة خطيرة جداً مرحلة تدمير، بعد 2011 تغير احساسي تغيرت عاطفتي تجاه البلد، صارت قوية وصار عندي ارتباط كبير بالبلد وأبناء البلد وبكل طوائف البلد، واكتشفت أني فعلاً أنتمي لهذا البلد بكل نسيجه وبكل أطيافه. أما الناحية السلبية للحرب فقد أدخلتنا بمطبات نفسية، بداية بالشحن الطائفي ثم بمرحلة الدمار مما خلخل انتمائنا، وجعلنا نتساءل: من نحن؟ نحن سنعيش هنا أو سنهاجر؟ ماذا نستفيد اذا بقينا؟ أو ماذا نستفيد إذا هاجرنا؟ وهل ننتمي نحن فعلاً لهذا البلد؟ أو لا ننتمي؟ فاكتشفنا ان هذا المكان الجغرافي لا نستطيع التخلي عنه، لأن الارتباط العاطفي به قوياً بالنسبة لنا كجيل عاش تلك الفترة، بينما جيل الحرب لا ينتمي لأبعد من شارعه أو أبعد من مدينته. أنا كنت من المؤيدين للهجرة لكن الآن تبين أن مساوئ الهجرة أكثر من ايجابياتها على السوريين.
وتنتقل الآنسة نور للحديث عن أثر الهجرة على هويتها السورية فتقول:
خلال سنوات الحرب فقد المجتمع السوري فئة الشباب، فأغلبهم هاجر، بالنسبة لي خسرت كثيراً من الأصدقاء بالهجرة أو بالموت. وقد تنقلت بين مدينتين أو بين ثلاث مدن خلال فترة الحرب، كنت ادرس بمدينة حمص ثم انتقلت إلى مدينة اللاذقية، في اللاذقية شريحة المجتمع لها وجهات نظر متناقضة بنظرتها للحرب، منهم من يراها ضرورية، وقد خسروا أعداد كبيرة من شبابهم وأولادهم، ومنهم من يرى أنه كان يمكن أن نتجنب الحرب، هذا الشرخ جعلني أخسر مجموعة من الأصدقاء، فيما بعد عدنا والتقينا ولاحظنا أن النتيجة واحدة.
وتتابع قائلة: وهذا ربما لم يؤثر على هويتي كسورية بل أثر على هويتي كإنسانة، الإحساس بالتعاطف الإنساني كان أشمل وأعم من تعاطفي كسورية لأن الهم الإنساني أكبر.
ثم تتحدث الآنسة نور عن الطقوس والعادات التي أثرت على هويتها السورية، فتقول:
تغيرت كثير من العادات بالمجتمع السوري اجمالاً، فالأعياد تتم فيها اجتماعات العائلة ونذهب الى القرية، تغيرت هذه العادات جداً أثناء الحرب، بسبب عدم التواصل وبسبب الوضع النفسي. أنا شعرت أن للتغيير ناحية إيجابية فقد حررنا من العادات والطقوس التي كنا مجبرين عليها ضمن العائلة، من جهة ثانية هناك جيل لديه شيء من السخرية، وشيء من عدم التقدير للعادات والتقاليد السورية. وبسبب ظروف الحرب وغياب العنصر الشبابي أصبحت البنات مجبرات على العمل، أغلب البنات عملن بالمحلات والمطاعم، هذه ناحية إيجابية للبنت التي باشرت العمل بالمهن، وهذه الظاهرة عمت كثير من المدن: الشام وطرطوس واللاذقية، حيث صارت مظاهر موجودة وواضحة.
ختاماً تصف الآنسة نور هويتها باختصار فتقول:
أنا شاعرة وكاتبة وانسانة، أنتمي للمكون الإنساني الذي يملك مخزون عاطفي يحميه من الحروب والتصدعات، وهذا المخزون العاطفي يكون عادة عند المبدعين سواء كانوا فنانين تشكيليين أو كتاب، دائماً يكون عندهم شي داخلي يحميهم ضد التقلبات الخارجية التي يعيشونها على الجغرافية الفعلية.