يوسف بن حريز

احد مقابلات حزمة: ٤٢ عاماً من القمع,
Original Interview Length:
سجلت هذه المقابلة في: منزله في بنغازي
فريق الانتاج:
المواد المتوفرة لهذه المقابلة:

"في إحدى المرات طلبتُ من وكالة الاستخبارات أن يُعدموا كل العائدين من تشاد لنرتاح"

التحق يوسف علي بن حريز بالأكاديمية العسكرية عام 1986 عندما عَلِمَ هو وزملاؤه أنهم سيرسلون إلى الجنوب في مهمة مدتها ثلاثة أشهر.
يقول “قالوا الجنوب فقط لذا لم نكن نعلم إلى أين سنذهب بالتحديد، كما قالوا إنه سيتمّ استبدالنا بمجموعة أخرى خلال ثلاثة أشهر على الأكثر”.

سافروا من قاعدة عسكرية في البيضاء إلى وادي دوم في تشاد.
يقول “تعرّفنا على مكاننا حين وصلنا إلى القاعدة، وبعد ثمانية أيام تمّ نقلنا 150 كلم جنوباً باتجاه فادا حيث وجدنا عسكريين التحقوا بالجيش منذ عشرين سنة، ولم يكونوا مثلنا طلاباً ومدنيين، رافقونا لمدّة أسبوع ثم تركونا”.

يضيف يوسف عن معاناتهم “ كانوا يبيعون المعدّات والتونا والجبن إلى الجنود بينما كان من المفترض أن نحصل عليها مجاناً. طلبوا منا حفر خنادق من دون حفارات واستخدام دبابات لا تطلق النار“.

وبعد مرور الأشهر الثلاثة أي يوم 2 يناير1987 تحديداً، هاجم الجيش التشادي فادا، وبغضون ساعات فقط تمّ أسر بن حريز.
يقول “سُجنت مع سبعة وخمسين ليبياً في سجن في بلدة فادا ثم نقلتنا طائرة فرنسية إلى سجن في العاصمة”.

كان السجن قريباً من القصر، وجد بن حريز نفسه في قسم فيه خمس زنزانات.
يقول يوسف “في بادئ الأمر لم يريدونا أن نختلط ببقيّة السجناء، لكننا كنّا نضرب على الأبواب ونُعرّف عن أنفسنا فيردّ علينا سجناء الزنزانة المجاورة ليخبرونا بأنهم ليبيون وبأنهم في السجن منذ عام 1983 .
لم أكن أصدّق ما أسمع، إذ لم نكن نملك في بنغازي أدنى فكرة عن وجود سجناء ليبيين في تشاد. سمعنا أنه لم يتمّ إرسال الذين أصيبوا بجروح خطيرة أو فقدوا أطرافهم مثلاً إلى ليبيا أبداً، بل كانوا يلقون بهم في البحر، أما الذين يقبض عليهم التشاديون فكانوا يقتلون بمسمار في الرأس.
توقّعنا أن ننجو ونعود إلى ليبيا أو أن نموت، لكننا لم نتوقع يوماً وجود سجناء وأسرى! ربما كانت تلك مجرّد شائعات تمنعنا من الاستسلام”.

كانت الحياة في السجن قاسية، يتشارك الزنزانة الواحدة عشرة أسرى مقيّدين إلى بعضهم البعض بسلسلة ليلاً نهارًا.
يقول يوسف “تخيّل أن تعيش هكذا! كانت مأساة، تخيّل ألا تدخل الحمام لمدّة خمسة وأربعين يوماً. كان التشاديون بسطاء ولم يستخدموا تقنيات العنف خلال استجوابنا، لكنّهم كانوا يستمتعون في إهانتنا حتى أنهم أحرقوا شعري“.

تلك الظروف شجعته على الانضمام إلى الحركة المعارضة التي عرفت بِاسم الجبهة الوطنية لتحرير ليبيا. يقول يوسف “كان أمامي خيار صعب، فبحلول سبتمبر أي بعد تسعة أشهر من تاريخ إلقاء القبض عليّ، أصبح يتمّ القبض على الليبين من داخل ليبيا وكانوا يسجنون في تشاد، لذا اخترت أن أعيش بكرامة وتشجّعت أكثر عندما تحدّثوا عن تكوين جيش للإطاحة بالنظام الليبي“.

لم تنجح خطّة الجبهة الوطنية، وانتهى الأمر ببن حريز وغيره من الأعضاء في المعارضة بالسفر إلى الولايات المتحدة.
يقول في ذلك “ لغيتُ ليبيا من حياتي ولم أكن أنوي العودة إليها أبداً، لكنني حين وصلت إلى الولايات المتحدة واتصلت بعائلتي وعلمت أن والدَيّ مصابان بالمرض وأنهما غير راضيين عن بقائي في الولايات المتحدة، عندها قرّرتُ العودة رغم تحذيرات زملائي في جنوب داكوتا .
وخشيتُ أن يلقى القبض عليّ من لحظة وصولي إلى طرابلس، فاتصلت بمكتب الحكومة الليبية في نيويورك حين اتخذت قراري، فطمأنوني وأخبروني أن القائد عفا عنّا وأن الأمور ستجري على ما يرام، ثم رتّبوا سفري وحجزوا لي ليلة في أحد الفنادق واصطحبوني إلى المطار خوفاً من أن أغيّر رأيي”.

“سافرتُ مع ليبي آخر وحين وصلنا ألقى علينا التحية في مطار طرابلس أربعة رجال من قوات الأمن الداخلي، قالوا لنا إن هذا بلدنا ورحبوا بعودتنا وكرّروا مسألة أن القائد قد عفا عنا وأنه لا داع للخوف من أي شيء.”

تمّ أخذ بن حريز إلى مستودع للطائرات في معسكر في أبو سليم، حيث استجوبته قوات المخابرات والأمن والشرطة لمدّة ثمانية أيام قبل أن يرسلوه إلى منزله في بنغازي.
يقول “خلال ستة أسابيع، بدأوا بالإتصال بي دورياً لاستجوابي لدى قوات الأمن الداخلي والحرس الوطني والاستخبارات. وفي أحد الأيام، وبعد أن قضيتُ يومي بالعمل خارج المدينة عدتُ لأجد شقّتي مقلوبة رأساً على عقب، لم يكن الباب مكسوراً ولم يُسرق مني أي شيء، لا الذهب ولا التلفاز، لكن الأوراق التي كانت تملأ أدراجي، كانت ملقاة على الأرض”.

كان المعارضون السابقون كبن حريز يتلقّون معاملة سيئة في ليبيا إذ لم يسمح لهم بالعمل في البلد حيث تقتصر القوى العاملة على المدنيين.
يقول “ كان أغلبنا عاطلاً عن العمل، تقدّمتُ لوظيفة في ثلاث شركات مختلفة، لكن من كان يعرفني هناك كان يخبرني أن اسمي في القائمة السوداء، كانوا يعاملونني وكأنني عدوّ ويطلقون عليّ اسم الكلب الضال، وكّلت محامياً لتمثيلي والمطالبة بحقوقي من الحكومة الليبية، لكني لم ألقَ أي تعاون في المكتب المخصّص للأسرى والشهداء إذ كانوا يرفضون إعطائي أي ورقة تثبت أسري.

وفي العام 2010، وبعدما أعدّتْ مجموعة منا أوراقاً تثبت أسرنا ووكّلنا محامياً للدفاع عنّا، اكتشفنا أنه لم يتمكن من الحصول ولو على جلسة استماع لنا فقط“.

تمّ دعوة جميع الأسرى إلى اجتماع عام 2005 .
يقول فيها “أخبرونا مرة أخرى قصة أن القائد عفا عنا وأنهم على الرغم من ذلك كانوا يراقبوننا باستمرار ولكنهم لم يجدوا أي شيء ضدنا، لذا صرنا نعتبر جزءاً من المجتمع الليبي، على الرغم من ذلك، استمرّوا في استدعائنا إلى مختلف الاستجوابات في مختلف الوكالات وأصبحت عادة أسبوعية. تعبتُ من هذا كله لدرجة أنني طلبت في إحدى المرات من وكالة الاستخبارات أن يعدموا كل العائدين من تشاد لنرتاح“.