منار الهاشمي

احد مقابلات حزمة: قصص عن الانتماء,
Original Interview Length:
سجلت هذه المقابلة في: النرويج
فريق الانتاج:
المواد المتوفرة لهذه المقابلة:

أنا منار الهاشمي، عمري 30 سنة، من مدينة حمص سوريا، مقيم في النرويج حالياً، وأعمل فيها كموسيقي.

في عام 2014 وصلت إلى النرويج، ومنذ أول يوم دخلت في نظام اللجوء النرويجي وهو عبارة عن ثلاث مخيمات لجوء، كل منها لمرحلة 14 شهراً تقريباً، ينهي خلالها اللاجئ أوراقه والأمور الرسمية ليبدأ حياته من جديد. المخيم الأول، كان فترة قصيرة أسبوع تقريباً، يكون اللاجئ خلالها ضائع لا يعرف شيئاً، يرتاح فيها من رحلته وتبدأ أمور معاملاته الرسمية تتحرك شيئاً فشيئاً. في المخيم الثاني بدأت بأخذ فكرة عن طبيعة الناس، وأيضاً أستطيع القول إنه كان المفتاح الأول لي في هذه البلد. فقد رغبت بتعلم اللغة، كانت معلمة اللغة امرأة متقاعدة، عمرها قرابة 70 عاماً، ولكنها نشيطة وتحب مساعدة الناس، وخصوصاً في اللغة. في تلك الفترة لم تكن اللغة مفروضة بل كانت طوعية، من كان يرغب في الحضور فإنه يستطيع ليتعلم أثناء فترة الانتظار. وتفاجأت عندما سألتني معلمة اللغة:

سألتني المعلمة: ماذا تعمل؟

أجبتها: أنا أعمل في الموسيقى، أحب الموسيقى.

قالت لي: ماذا تعزف؟

أجبتها: غيتار.

قالت: أين غيتارك؟

أجبتها: لا يوجد معي غيتار، كيف يمكن جلبه وأنا جئت عبر البحر بثيابي فقط!

في اليوم التالي، تأتي المعلمة إلى الدرس ومعها غيتار، كان غيتاراً جديداً، ثم قالت لي:

منار هذا لك، خذه ولتبدأ بالعزف عليه، بما أنه ليس لديك غيتار حالياً.

كان غيتار جديد، وأنا كنت مثل شخص عطشان وأعطيته كأس ماء. كان شيء كبير جداً في ذلك الوقت، ومن حينها إلى الآن أنا والمعلمة "انغريوحنا" أصدقاء إلى هذه اللحظة.

بعد فترة كان يجب الانتقال إلى المخيم الثالث، وكان وسط النرويج في مدينة اسمها "ريوكان"، وهي مدينة بين جبلين في وادي لا ترى الشمس من الشهر التاسع إلى الشهر الرابع، لم يكن هناك شمس تماماً، كنت ترى ضوءاً لكنك لا ترى الشمس، على رأس الجبل كان هناك ثلاثة مرايا، تعكس أشعة الشمس على بقعة صغيرة في القرية كي يرى الناس الشمس قليلاً. وكان هناك شيء اسمه مهرجان الشمس، عندما تبدأ الشمس بالدخول إلى القرية.

عندما وصلت كان الدنيا كلها رمادية وكئيبة، في أول أسبوع اكتأبت فلم أكن أعرف ماذا أعمل، قلت لنفسي: إلى أين أتيت؟ ماذا فعلت؟ لا يوجد شمس، ثلج فقط، في بعض الأيام كانت الحرارة تصل إلى -24، وهنا بدأت أقول نعم لأي شيء كان يأتيني، لأي نشاط أي حفلة صغيرة، أي شيء عن طريق المخيم، عن طريق الكنيسة، عن طريق الناس، أياً يكن، أذهب لأعزف، أتفرج وأتحدث مع الناس، وبالغيتار الذي أحضرته "انغريوحنا" بدأت أقيم الكثير من الحفلات، صغيرة وكبيرة، مشاريع صغيرة وتطوعية، كورسات موسيقية لأطفال اللاجئين في الكامب. وعن طريق النشاطات الموسيقية تعرفت على "إيلين" و "أسترن" اللتين كانتا سيدتان في عمر الخمسين تقريباً، وهما مُدرّستيّ لغة نرويجية وناشطتان بمجال حقوق اللاجئين، ساعدوني كثيراً أنا وأصدقائي هناك، وأصبحناً أصدقاء، نعد الطعام معاً، ونخرج مع بعضنا، لقد ساعدوني بالكثير من الأمور، خصوصاً أمور اللجوء في تلك الفترة. وكان لديهم صديقة ثالثة تدعى "بيرغيت" وحاولوا يعرفونا في أحد المرات على "بيرغيت" لكن الأخيرة رفضت! وحسب ما فهمت أن "بيرغيت" تعرضت لمشكلة منذ زمن مع اللاجئين أو شيء من ذلك، وأصبح لديها ما يشبه ردة الفعل العكسية، فلم تحب أن تتعرف علينا، بينما هم دائماً يحاولون أن يعرفوا "بيرغيت" علينا.

في أحد المرات وافقت "بيرغيت" وأصبحنا فعلاً أصدقاء معاً جميعاً، وصرنا نخرج معاً وأيضاً هي ساعدتنا بالكثير من الأمور. وبعد فترة طلبت "بيرغيت" أن نساعدها في طلاء المنزل الذي تعيش فيه، المنزل كان كبيراً جداً، ساعدناها أنا وأصدقائي في طلاء البيت وعرضت علينا نقوداً ولكننا لم نقبل، واعتبرنا ذلك مجرد مساعدة وتسلية فليس لدينا عمل.

في نهاية العام 2015 كان يتوجب الانتقال إلى مكان إقامتي النهائي وهناك أصبح حراً، وأبدأ حياتي الطبيعية مثلي مثل بقية البشر. ودون أن تخبرني، تكتب "بيرغيت" على صفحتها في فيسبوك منشوراً يفيد بأن لديها صديق من سوريا، يعزف الموسيقى وسوف ينتقل إلى مدينة غرب النرويج تدعى "بيرغن"، وإذا كان أحد أصدقائها هناك ممكن يساعد إن لزم الأمر. وهنا ترد عليها امرأة تدعى "سونوفا" تقول لها: أنا أولادي كلهم هنا، وهم عازفين محترفين وأنا سكنت فترة صغيرة من حياتي في دمشق.

عندما وصلت تعرفت على "سونوفا" وحكت لي أن والدها كان يعمل في الأمم المتحدة، وسكنوا فترة في دمشق، وقالت لي أنه كان يحب سوريا. وفي أحد المرات ذهبنا "سونوفا" وعائلتها وأنا إلى كوخ في الجبل، هذا الكوخ بناه والدها، كان اسم الكوخ "مجدل شمس" حتى أسماء الغرف في الداخل كان بعضها أسماء سورية، كانت غرفة اسمها حماة وأخرى جعيتا، وبصرى، ووادي رم، والجولان. كانت أسماء الغرف محفورة على ألواح خشب بالخطوط النرويجية والاسكندنافية القديمة، التي هي أصلاً منحدرة من لغة الفايكنج القديمة، كان شيئاً جميلاً جداً، لا أعرف إذ كنت أسميها صدفة. وأستطيع القول أن "سونوفا" هي أكثر شخص ساعدني، وكانت أكبر سند لي في النرويج، لقد ساعدتني في كل شيء، عرفتني كيف هي القوانين، كيف هو العمل، عرفتني أكثر على المجتمع النرويجي، وكانت دائماً مثل "المرجع" بالنسبة لي عندما أريد أن أعمل أو أستأجر منزلاً، وكأني ولد من أولادها.

في المدينة الجديدة، شاركت بحفلة يمكن وصفها "بالكبيرة" مع كورال المدينة، وفيها أعارني "أندرا" زوج "سونوفا" غيتاراً، كان جيد جداً بالنسبة للحفلة التي أريد أن أعزف فيها، وكان أفضل من الغيتار الذي أحمله، وهذا الغيتار كان المفتاح الثاني لحياتي المهنية هنا، وبعد هذه الحفلة صرت أعمل أكثر وأكثر، ويأتينا المزيد من الحفلات، وشيئاً فشيئاً صرت أعمل في الموسيقى وأصبح الوضع أفضل إلى أن عزفت مع مغنية معروفة هنا.

بعد ثلاثة سنوات تقريباً، تتواصل معي تلك المغنية من أجل مشروع موسيقي جديد مع شركة إنتاج ذات تاريخ طويل في النرويج موسيقيين معروفين وأكفاء. المشروع يحكي عن اللاجئين العالقين في اليونان ولا يستطيعون الدخول إلى أوروبا أو أن يعودوا إلى تركيا. أستطيع القول أن هذا المشروع كان أكبر عمل موسيقي شاركت به، وأضاف لي زخم موسيقي كبير جداً، ما أريد قوله الآن أن كل ما حدث ليس صدفة، هو شبكة معارف وناس وباب يفتح باباً ولحن يجرّ لحناً.

ممكن صحن مجدرة يفتح لك الكثير من الأبواب.

بهذه الحياة هناك السيء والجيد، فدعونا دائماً نرى الجميل والجيد ونرى الضحكة قبل ما نرى العبوس.

أنا منار الهاشمي من النرويج وهذه كانت قصتي.